الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تساقط الشعر ليس مرضاً..  لغة بايولوجية يجب ان نتعلم قراءتها

بواسطة azzaman

تساقط الشعر ليس مرضاً..  لغة بايولوجية يجب ان نتعلم قراءتها

حقي الزبيدي

 

عندما يعثر الانسان على بضع شعرات فوق وسادته، فانه غالبا ما ينظر إليها باعتبارها خسارة جمالية. لكن العلم ينظر إليها بطريقة مختلفة تماما  فكل شعرة تسقط تحمل معها معلومة وكل بصيلة تتوقف عن الانتاج تروي جزءا من قصة تحدث داخل الجسم. ولهذا فان تساقط الشعر لا ينبغي ان يقرا بوصفه مشكلة في الشعر فقط بل بوصفه رسالة بيولوجية تعكس حالة الانسان الصحية باكملها.لقد اعتدنا كمجتمعات ان نتعامل مع الشعر باعتباره رمزا للجمال والشباب لكننا ننسى انه احد اكثر الانسجة حساسية للتغيرات الداخلية فالبصيلة ليست مجرد مصنع لانتاج الشعرة بل عضو حي يتمتع بنشاط ايضي مرتفع يعتمد في عمله على توازن دقيق بين التغذية والدورة الدموية، والهرمونات، والجهاز المناعي، والحالة النفسية. واي اضطراب في احد هذه المحاور ينعكس مباشرة على دورة حياة الشعر.

ولهذا السبب فان السؤال الصحيح ليس: لماذا سقطت هذه الشعرة؟ بل ما الذي دفع البصيلة الى التخلي عنها؟

ان بصيلة الشعر كائن بيولوجي شديد الذكاء فعندما يتعرض الجسم لنقص البروتين او الحديد او الزنك او يمر باجهاد نفسي شديد او يصاب بمرض حاد فان الجسم يعيد ترتيب أولوياته فهو يوجه الطاقة الى الاعضاء الاكثر اهمية للحياة مثل القلب والدماغ والكبد بينما تتراجع الاولوية الممنوحة لبصيلات الشعر عندها تدخل اعداد كبيرة من البصيلات في مرحلة السكون ليس لانها مريضة بل لانها تستجيب لبرنامج دفاعي طبيعي وضعه الجسم للحفاظ على بقائه.ومن هنا نفهم أن كثيرا من حالات تساقط الشعر ليست فشلا في البصيلة بل نجاحا لآلية التكيف البيولوجي.في المقابل يقف الصلع الوراثي بوصفه مثالا مختلفا تماما فالمشكلة هنا ليست في التغذية ولا في الدورة الدموية بل في البرمجة الجينية للبصيلة نفسها اذ تصبح حساسة بصورة مفرطة لهرمون ثنائي هيدروتستوستيرون (DHT) الذي يحول البصيلة عاما بعد آخر من مصنع قادر على انتاج شعرة قوية الى وحدة صغيرة لا تنتج الا زغبا رقيقا ثم تفقد قدرتها الإنتاجية بالكامل انها ليست عملية سقوط مفاجئة بل عملية شيخوخة مبكرة للبصيلة.

والمثير للاهتمام ان الانسان يرى الشعرة، لكنه لا يرى الزمن الذي استغرقته حتى تسقط فمعظم حالات التساقط التي تقلق المرضى اليوم بدات في الحقيقة قبل شهرين أو ثلاثة أشهر  فالضغوط النفسية او الحمى او العمليات الجراحية او الولادة لا تؤدي الى سقوط الشعر فورا  وانما تعيد برمجة دورة حياة البصيلات  ثم تظهر النتيجة بعد اسابيع طويلة ولذلك يخطئ كثيرون في ربط السبب بالحدث الاقرب بينما يكون السبب الحقيقي قد مضى عليه وقت طويل.

مستحضرات تجميل

ومن أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارا الاعتقاد بأن مستحضرات التجميل وحدها مسؤولة عن المشكلة نعم  قد يؤدي الاستخدام العنيف للمواد الكيميائية او الافراط في عمليات التفتيح إلى تلف الياف الشعر وتكسرها لكن سقوط الشعرة من جذرها يخضع في الغالب لعوامل بيولوجية اعمق فالشعرة الميتة لا تستطيع اتخاذ قرار بالسقوط وانما القرار تتخذه البصيلة انها هي العضو الحي.وهنا تكمن اهمية التمييز بين تلف الشعرة ومرض البصيلة فالاول مشكلة تجميلية اما الثاني فهو قضية طبية تستحق التشخيص والعلاج.ولعل اخطر ما يواجه المصابين بتساقط الشعر اليوم ليس المرض نفسه وانما سيل المعلومات المضللة فوسائل التواصل الاجتماعي تمتلئ بوصفات تعد بايقاف التساقط خلال ايام بينما تمتلئ الاسواق بمنتجات تسوق على انها حلول نهائية. والحقيقة أن البصيلة لا تستجيب للاعلانات بل تستجيب للبيولوجيا  فلا يوجد مستحضر قادر على تجاوز قوانين نمو الشعر ولا يمكن لاي علاج ان ينجح إذا لم يعالج السبب الحقيقي.ان الطب الحديث لم يعد ينظر الى تساقط الشعر بوصفه مشكلة معزولة بل باعتباره مؤشرا سريريا قد يكشف عن اضطرابات هرمونية او امراض مناعية او نقص غذائي او اثار جانبية لادوية معينة او حتى ضغوط نفسية مزمنة ولذلك فان الطبيب الذي ينظر الى الشعر وحده قد يفوته المرض اما الطبيب الذي ينظر إلى الانسان كله فسيجد غالبا الاجابة.

وربما ان الاوان لان نغير نظرتنا الى الشعر فهو ليس مجرد خيوط من الكيراتين تنمو فوق فروة الراس بل سجل بيولوجي يوثق ما يمر به الجسم من تغيرات انه يروي قصة التغذية ويحكي اثر التوتر ويكشف بصمت عن اضطرابات الهرمونات ويترجم ما تعجز بعض الفحوصات عن اظهاره في مراحلها الاولى.

ان الشعرة التي تسقط ليست نهاية الحكاية  بل بدايتها انها دعوة للتامل  ورسالة من الداخل الى الخارج  تقول ان الجسم يحاول ان يخبرنا بشيء وحين نتعلم قراءة هذه الرسالة بعين العلم لا بعين الخوف يصبح علاج تساقط الشعر اكثر من مجرد استعادة للكثافة يصبح رحلة لفهم الانسان نفسه واستعادة توازنه الصحي لان الشعر في النهاية ليس عنوانا للجمال فحسب بل مرآة دقيقة لصحة الجسد وعافيته.

 

 


مشاهدات 52
الكاتب حقي الزبيدي
أضيف 2026/07/25 - 2:17 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 6:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 392 الشهر 26972 الكلي 15932099
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير