فن البورتريه بين العين والبصيرة
صالح رضا
حين يسألني البعض: لماذا اخترت البورتريه دون غيره من الفنون؟ أجيبهم بأنني لم أختره بقدر ما اختارني هو. فمنذ سنوات الدراسة الأولى في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، كنت أشعر أن الوجه الإنساني عالم كامل لا ينتهي، وأن وراء كل عينين حكاية، وخلف كل ابتسامة عمرًا من التجارب والذكريات.
لقد تعلمت على أيدي أساتذة كبار، لكنني كنت أؤمن أن الفنان لا يكتفي بما يتعلمه داخل القاعات الدراسية، بل يواصل تعلمه من الحياة والناس والوجوه التي يقابلها كل يوم. ولذلك وجدت نفسي منجذبًا إلى البورتريه، لأن الإنسان بالنسبة لي هو أعظم موضوع فني خلقه الله على هذه الأرض.
كثيرون يظنون أن نجاح البورتريه يقاس بمدى الشبه الخارجي، بينما كنت أبحث دائمًا عن شيء أعمق من ذلك. فالصورة الفوتوغرافية تستطيع أن تنقل الملامح، أما اللوحة فتستطيع أن تنقل الروح. ولهذا كنت أعتبر أن نجاح اللوحة لا يتحقق عندما يقول الناس إنها تشبه صاحبها فقط، بل عندما يشعر المشاهد أن الشخصية حاضرة أمامه بكل ما تحمله من صفات ومشاعر وذكريات.
على امتداد عشرات السنين رسمت مئات الوجوه من الأدباء والشعراء والفنانين والخطاطين والمفكرين والموسيقيين والرياضيين. بعضهم كنت أعرفه عن قرب، وبعضهم لم ألتقه إلا من خلال كتبه أو أعماله أو سيرته الإنسانية. لكنني كنت أشعر وأنا أرسمهم أنني أعيش معهم، وأتحاور معهم، وأستعيد زمنهم وحضورهم.
ولم يكن هدفي يومًا أن أجمع صورًا جميلة فحسب، بل كنت أؤمن بأن الفن رسالة توثيق ومحبة ووفاء. فبعض الشخصيات التي رسمتها غادرت الدنيا منذ سنوات طويلة، لكنني كنت أشعر أن من واجبي أن أعيدها إلى ذاكرة الأجيال الجديدة، لأن الأمم التي تنسى مبدعيها تفقد جزءًا من ذاكرتها.
وقد عشت لحظات مؤلمة عندما فقدت أربعين لوحة بورتريه كانت تمثل سنوات طويلة من العمل والتعب والذكريات. يومها لم أبكِ على الورق والألوان، بل بكيت على أصحاب تلك الوجوه الذين كنت أشعر أنهم رفاق رحلة طويلة. ومع ذلك لم أفقد إيماني بالفن، لأن الفن الحقيقي لا يموت بضياع لوحة، بل يبقى حيًا ما دام الإنسان قادرًا على أن يمنح الآخرين الجمال والمحبة.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود من الرسم، ما زلت أشعر أنني تلميذ أمام الوجه الإنساني. فما زالت كل لوحة جديدة تمنحني دهشة البدايات نفسها، وما زلت أتعلم من كل تجربة شيئًا جديدًا.
وأؤمن أن الفنان الصادق لا يرسم الناس من أجل الشهرة، بل يرسمهم لأن الإنسان يستحق أن يُحتفى به، ولأن أصحاب الفكر والجمال والثقافة يستحقون أن يبقوا حاضرين في الذاكرة.
ربما يأتي يوم تتوقف فيه اليد عن الرسم، لكنني أرجو أن تبقى الأعمال التي أنجزتها شاهدة على رحلة طويلة عشتها بمحبة وإخلاص. فالفنان لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تركه من أثر في القلوب والذاكرة.
لقد كانت رحلتي مع البورتريه رحلة عشق لا تنتهي، وما زلت أؤمن أن كل وجه أرسمه هو صفحة جديدة من كتاب الإنسان، وأن الفن سيبقى دائمًا لغة جميلة تقاوم النسيان وتنتصر على الزمن.