الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصور الأغنياء والمتنفذين من العهد العثماني إلى العهد الملكي

بواسطة azzaman

قصور الأغنياء والمتنفذين من العهد العثماني إلى العهد الملكي

تحوّلات العمارة بين السلطة والوجاهة الاجتماعية

جواد الرميثي

 

شهد العراق عبر تاريخه الحديث تحولات عمرانية عكست طبيعة السلطة وتركيبة المجتمع . فبين أزقة بغداد القديمة ومحلات البصرة والموصل ، كانت بيوت الأغنياء والمتنفذين في العهد العثماني تختلف في طابعها ووظيفتها عن قصور النخبة السياسية والاقتصادية في العهد الملكي ، لكنّها جميعاً مثّلت رموزاً للنفوذ والمكانة.

أولاً: بيوت المتنفذين في العهد العثماني (1534–1917)

نسيج عمراني

في زمن الحكم العثماني ، كانت البيوت الكبيرة تُبنى داخل النسيج العمراني التقليدي ، خصوصاً في بغداد والبصرة والموصل .

لم تكن القصور آنذاك قائمة بمعزل عن الناس ، بل مندمجة في أحياء ضيقة الأزقة ، تحكمها اعتبارات الخصوصية والمناخ والأعراف الاجتماعية.

ملامح معمارية مميزة

الفناء الداخلي (الحوش): القلب النابض للبيت ، تتوسطه نافورة أو حديقة صغيرة .

الشناشيل: شرفات خشبية بارزة ومزخرفة تطل على الأزقة ، تمنح تهوية وخصوصية .

الطابقان أو الثلاثة: مع تخصيص جناح للرجال (السلاملك) وآخر للعائلة (الحرملك) .

المواد المحلية: الطابوق والجص والخشب المستورد أحياناً من البصرة عبر الخليج .

ومن أبرز الأمثلة على بيوت النخبة البغدادية في أواخر العهد العثماني بيت التاجر اليهودي ساسون حسقيل الذي أصبح لاحقاً مقراً لعدد من الشخصيات السياسية ، وبيت ناجي شوكت في منطقة الأعظمية ، والذي يمثل طراز البيوت البغدادية الراقية ذات الطابع العثماني المتأخر .

كما عُرف في الموصل عدد من بيوت العائلات الثرية ذات الطابع الزخرفي المميز ، بينما احتفظت البصرة ببيوت مطلة على شط العرب ، تجمع بين الطراز العثماني والتأثيرات الخليجية .

كانت هذه البيوت تعكس مكانة أصحابها من التجار الكبار ، وولاة الولايات ، وكبار موظفي الدولة العثمانية ، لكنها ظلت محافظة على روح العمارة المحلية ، بعيدة عن المبالغة الأوروبية التي ستظهر لاحقاً .

ثانياً: قصور العهد الملكي (1921–1958)

مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة واعتلاء الملك فيصل الأول العرش عام 1921 ، دخل العراق مرحلة جديدة من التحول السياسي والعمراني . اتجهت الطبقة الحاكمة والنخبة السياسية والاقتصادية إلى أنماط معمارية أكثر انفتاحاً على الغرب ، متأثرة بالمدرسة الأوروبية الحديثة .

القصور الملكية:

شهدت بغداد بناء عدد من القصور الملكية التي جسدت هيبة الدولة الجديدة، من أبرزها:

قصر الزهور: الذي شُيّد في عهد الملك فيصل الثاني ، وامتاز بطراز معماري حديث نسبياً وحدائق واسعة .

قصر الرحاب: مقر إقامة العائلة المالكة ، والذي ارتبط بأحداث 14 تموز 1958 الدامية.

قصر السلام: الذي أصبح لاحقاً من المعالم الرئاسية في العهود اللاحقة.

هذه القصور لم تكن مجرد مساكن ، بل مراكز قرار سياسي ، تستقبل الوفود الرسمية وتحتضن المناسبات الوطنية .

قصور السياسيين وكبار الملاّك

إلى جانب القصور الملكية، ظهرت في مناطق مثل الكرادة والوزيرية والأعظمية بيوت واسعة لأعيان بغداد وكبار السياسيين والوزراء . اتسمت هذه البيوت بما يلي:

حدائق أمامية واسعة وسياج خارجي واضح ، على خلاف البيوت العثمانية المنغلقة .

استخدام الخرسانة المسلحة والزخارف الأوروبية .

قاعات استقبال فخمة تعكس المكانة الاجتماعية والسياسية.

كان التحول المعماري في هذه المرحلة تعبيراً عن ولادة دولة حديثة تسعى لإظهار هويتها الجديدة ، متأثرة بالانتداب البريطاني وبالمدارس المعمارية الغربية .

بين الفناء والحديقة… دلالة التحول

إذا كانت بيوت العهد العثماني تركز على الداخل وتحتمي بالخصوصية ، فإن قصور العهد الملكي انفتحت على الخارج وأعلنت حضورها في الفضاء العام . الأول يعكس مجتمعاً تقليدياً تحكمه الأعراف ، والثاني يجسد دولة ناشئة تسعى لإبراز سلطتها ورمزيتها.

كما أن بيوت الأغنياء والمتنفذين في المرحلتين تكشفان عن طبيعة السلطة ذاتها:

في العهد العثماني: سلطة إدارية مرتبطة بالباب العالي ، ووجاهة تجارية محلية.

في العهد الملكي: طبقة سياسية جديدة ، ونخب اقتصادية تشكلت في ظل الدولة الحديثة.

إرث معماري

للأسف ، تعرضت كثير من هذه البيوت والقصور للإهمال أو الهدم ، خاصة في العقود الأخيرة ، ما أدى إلى فقدان جزء مهم من الذاكرة العمرانية العراقية . واليوم تبرز الحاجة إلى مشاريع توثيق وصيانة تحفظ ما تبقى من هذه الشواهد المعمارية ، بوصفها صفحات حجرية من تاريخ العراق الحديث .

خلاصة القول

إن قصور وبيوت الأغنياء والمتنفذين في العهدين العثماني والملكي ليست مجرد مبانٍ فخمة ، بل مرآة لتحولات المجتمع والدولة. فهي تحكي قصة انتقال العراق من ولاية عثمانية تقليدية إلى مملكة حديثة تسعى لترسيخ حضورها بين الأمم ، وتبقى شاهداً صامتاً على زمنٍ كانت فيه العمارة لغةً للسلطة والهيبة.


مشاهدات 35
الكاتب جواد الرميثي
أضيف 2026/05/08 - 1:40 PM
آخر تحديث 2026/05/09 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 7651 الكلي 15252845
الوقت الآن
السبت 2026/5/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير