الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من التراث القانوني الخالد.. مجلة الأحكام العدلية

بواسطة azzaman

من التراث القانوني الخالد.. مجلة الأحكام العدلية

عصمت عبد المجيد بكر

 

أصدرت ( دار الأهرام للإصدارات القانونية والنشر والتوزيع) في المنصورة/ مصر، قبل أيام طبعة جديدة (لمجلة الأحكام العدلية) مقدمة بذلك دليلًا جديدًا على مدى أهمية هذه المجلة ودورها في القوانين المدنية العربية، بالرغم من انحسار تنفيذها المباشر في أرض الواقع، حيث تعد المجلة مصدرًا بشكلٍ أو آخر للعديد من القوانين المدنية العربية، وفي مقدمتها القانون المدني العراقي. ووجدنا في هذا النشر الجديد للمجلة فرصة لتسليط الضوء عليها، إعمامًا للفائدة، وتعريفًا بها وخاصة أن الأجيال الجديدة من الحقوقيين قد يجهلون هذه المجلة.

قانون مدني

فتعد (مجلة الأحكام العدلية) أهم قانون تم إعداده في العهد العثماني، وجرى التفكير بعد التنظيمات في إعداد قانون مدني، وتمت محاولة إعداد قانون عرف باسم (المتن المتين/ متن متين) قبل المجلة، إلا أنهم لم يوفقوا في ذلك، ومع ذلك بقي التفكير قائماً حتى إن (عالي باشا) بتوصية من السلطان (عبد العزيز) بعد ضغوط فرنسية كبيرة عليه، قام بترجمة (القانون المدني الفرنسي) فشكلت لجنة تولت فرز مواده ومعرفة الصالح وغير الصالح منها للفقه العثماني وقطعت في ذلك مرحلة لا بأس بها، كما أن أفكاراً قد طرحت ومقالات نشرت تدعو إلى الأخذ بالقانون المدني الفرنسي، وتذكر المصادر أن هذا القانون ترجم من اللغة العربية إلى اللغة التركية (العثمانية) وتحمس عدد من المثقفين العثمانيين لفكرة اقتباس القانون المدني الفرنسي وجعله قانوناً مدنياً للدولة العثمانية بعد إجراء بعض التعديلات عليه وتزعمهم (علي باشا 1815ـ 1871م) بهدف توحيد القانون العثماني وعرقلة انفصال الأقليات غير المسلمة، وليكون قانوناً موافقاً للمحاكم المختلطة ويقضي على الفروق في الأوضاع القانونية بين المسلمين وغير المسلمين والتي تسبب الشكاوى ويحقق المساواة الحقيقية بينهم.

 وفي مقابل هذا الاتجاه كان هناك من جادل في عدم الأخذ من القوانين الغربية فالقانون المشرع في بلد مسيحي لا يصلح لبلد مسلم ومن الصعوبة بمكان أن ينسجم المسلمون مع قانون غربي مسيحي، ومن ثم الدعوة إلى الأخذ من الفقه الإسلامي، وبعد مناقشات مطولة بين الاتجاهين، فقد أخذت فكرة إعداد قانون مدني وطني تفرض نفسها، ولا سيما بجهود (أحمد جودت باشا/ 1822ـ 1895م) وهمته، وتألفت لجنة من سبعة أعضاء سميت بـ(جمعية المجلة/ 1868ـ 1876م) التي تشكلت برئاسته وشرعت بإعداد هذا القانون، فكان أول ما ظهر من المجلة هو المقدمة والكتاب الأول (كتاب البيع) عام 1869م، ثم بدأ سريانهما بصدور إرادة سلطانية سنية، وتوالت الكتب بعد ذلك واحداً تلو الآخر، حتى بلغ مجموعها ستة عشر كتاباً، وتضم المجلة (1851 مادة) دخلت حيز النفاذ، واستغرق إعداد المجلة ثمانية أعوام، واستمدت موادها من أحكام الشريعة الإسلامية التي كانت سارية المفعول حتى ذلك الوقت فيما يتعلق من حيث الأساس بالمعاملات وأصول المحاكمة، وكانت المجلة قانوناً وطنياً خالصاً، وانحصر تأثير القوانين الغربية بالجوانب الشكلية دون سواها، وكان الهدف هو وضع كتاب في المعاملات الفقهية، يكون مضبوطاً سهل المأخذ عارياً من الاختلافات، حاوياً للأقوال المختارة، سهل المطالعة على كل أحد، وباشرت اللجنة أعمالها عام 1285 للهجرة (1869م) وتم ترتيبها عام 1293 للهجرة (1876م) وضمت المجلة (1851) مادة ومقسمة إلى مقدمة وستة عشر كتاباً، وتحتوي المقدمة على (100) مادة، فالمادة الأولى في تعريف الفقه وتقسيمه والمواد الباقية في القواعد الكلية.

وأخذت المجلة، بوجه عام، عن كتب ظاهر الرواية عن الحنفية، وفي مسائل قليلة تركها والأخذ بغيرها في ضمان المنافع وجواز بيع الوفاء، وفي حالة الاختلاف وتعددها عن (الإمام أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم) اختارت المجلة القول الموافق لحاجات العصر، وروح المصلحة ومقتضياتها، ففي الحجر على السفيه أخذت المجلة برأي الصاحبين في جواز الحجر وتركت قول (الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه) الذي لا يجيزه، وتركت المجلة قول الفقهاء الأحناف في بعض المسائل الطفيفة، منها تعريف الغبن الفاحش، ويذكر أن لجنة المجلة اطلعت على المذاهب الأربعة لا بل ودققت حتى القوانين المدنية السويسرية والألمانية والفرنسية واطلعت على القوانين الإنجليزية والأمريكية والنمساوية والمجرية والقانون الروماني، وتعتبر المجلة عملاً رائداً في حركة التقنين لأحكام الفقه الإسلامي، وحاولت أن تبتعد عن أسلوب الفقه الشارح للنصوص وتقترب من أسلوب التشريع الآمر، وتميزت بالتبويب والترتيب وطريقة التعبير الآمر والاقتصار على قول واحد، يعمل به في كل مسألة دون ذكر الخلاف بين الفقهاء، كما تم تصدير المجلة بالقواعد الكلية وهي المبادئ القانونية العامة، والتي تعد بمثابة النظريات العامة في القانون.

اسلوب اقليمي

 ومع ذلك وجهت انتقادات إلى المجلة، ومنها: أن صياغة نصوصها لا تتفق مع الأسلوب التشريعي الذي يقتصر على الأمر والنهي، بل كان أقرب إلى الأسلوب التعليمي الفقهي، وأن وضعها في الأصل كان باللغة التركية ثم ترجمت إلى اللغة العربية، وهذا أثر على لغة المجلة من حيث الدقة في الترجمة والصياغة، واقتصرت المجلة على مجموعة من المعاملات ولم تتضمن نظرية للالتزامات أو العقد أو الحقوق العينية، ذلك أن للمجلة منهجاً فقهياً وقانونياً إسلامياً أصيلاً.

 ومع كل ذلك فإنها تعد عملاً رائداً في حركة تقنين الفقه الإسلامي، ومن أسباب الاتجاه إلى التقنين، أن العلاقات الداخلية والخارجية قد توسعت وظهرت كيانات جديدة كالشركات القانونية وأن الاجتهادات في بعض المذاهب الإسلامية ومنها المذهب الحنفي لم تكن تجيز بعض شروط العقود في حين أن الضرورة كانت تقتضيها، ولأسباب مالية وحقوقية وسياسية كانت الحكومات في حاجة إلى تغييرات في الأحكام المتعلقة بالأراضي، وضرورة استجابة قوانين الدعوى والمحاكم والإجراء (التنفيذ) إلى تغيير لمواكبة التطورات وعدم استجابة ما هو مطروح في الكتب الفقهية للافتقار إلى فقهاء كبار.

 ولا شك أن دواعي إعداد المجلة تعود إلى دواعٍ خارجية تتلخص بأن إنجلترا وفرنسا والنمسا وروسيا، ونظراً للظروف السياسية والاقتصادية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية، كانت تتدخل في شؤون الدولة بحجة الدفاع عن الأقليات غير المسلمة في الدولة، مما دعا إلى إصدار قوانين وإنشاء محاكم، وأن السفير الفرنسي في إسطنبول وبتشجيع من بعض رجالات الدولة العثمانية كان يبث فكرة اقتباس القانون المدني الفرنسي، وحشد التأييد لهذه الفكرة، أما الدواعي الداخلية، فكانت محاكم التمييز والتجارة والنظامية تطبق القوانين المقتبسة من الدول الغربية وتضطر في بعض الأحيان إلى الرجوع إلى الفقه الإسلامي وهذا كان يقتضي تدوين هذه الأحكام، من وجهة نظر تلك الدول الأوروبية، ووجود اختلافات كبيرة بين الاجتهادات الفقهية في المذاهب الفقهية الإسلامية والاختلافات كانت تظهر ضمن المذهب الواحد.

 وصعوبة استفادة القضاة من الكتب الفقهية الإسلامية نظراً لطريقة كتابتها وتنظيمها وأن بعض الأحكام الاجتهادية كانت في حاجة إلى تطوير في ضوء المستجدات والمتغيرات.

وبالرغم من صدور مجلة الأحكام العدلية إلا أن المحاولات المتعلقة بالاقتباس من القانون المدني الفرنسي استمرت حيث نشرت ترجمته إلى اللغة التركية (عام 1885م) ونشرت مقالات تبحث في المقارنة بين القانون المدني الفرنسي ومجلة الأحكام العدلية، كما نشرت ترجمة للقانون المدني السويسري في عام 1912م والقانون المدني الألماني عام 1916م، كما نشرت دراسات ومقالات لعدد من المثقفين تبين وجود نواقص في المجلة وخاصة في الأمور المتعلقة بحقوق العائلة.

وقبل أن نترك الحديث عن مجلة الأحكام العدلية لا بد أن نقدم فكرة موجزة عن تاريخ حياة (المرحوم أحمد جودت باشا 1238 ـ 1312 للهجرة الموافق 1823 ـ 1895م) الذي كان له دور فاعل في إعدادها وإصدارها ورئيس الجمعية التي وضعت المجلة، فهو أحمد جودت باشا بن إسماعيل بن علي بن أحمد، عالم فاضل أديب ومؤرخ وزير عثماني وناظر المعارف العمومية وناظر الأوقاف السلطانية وناظر العدلية ومصلح سياسي واجتماعي ورئيس الجمعية التي صاغت مجلة الأحكام العدلية، تلقى العلوم الدينية وأتقن اللغات العربية والتركية والفارسية وأتم دراسته بالمدرسة الدينية بتفوق وتدرج في المناصب الإدارية وعين مديرًا لمدرسة واشتغل بالتدريس ومؤرخًا رسميًا للدولة وعضواً بمجلس المعارف العمومية، وله العديد من المؤلفات ومن أبرزها (قصص الأنبياء وتاريخ الخلفاء) في اثني عشر مجلداً إضافة إلى الكتب المترجمة.

وفي الختام، نشير الى ان هناك شروحات عديدة للمجلة ومن أشهرها : درر الحكام شرح مجلة الأحكام: تأليف القاضي علي حيدر، ويعد من أعمق الشروحات الفقهية. وشرح المجلة لسليم رستم باز: مرجع شهير ورئيسي في القضاء. وشرح المجلة لمحمد خالد ومحمد طاهر الأتاسي، شرح موثق في ستة أجزاء. وشرح مجلة الأحكام العدلية لمحمد سعيد المحاسني. وشرح منير القاضي، تعد من الشروحات العراقية البارزة.

الدكتور عصمت عبد المجيد بكر

رئيس مجلس شوى الدولة العراق/ سابقًا

 

 


مشاهدات 40
الكاتب عصمت عبد المجيد بكر
أضيف 2026/05/08 - 1:59 PM
آخر تحديث 2026/05/09 - 2:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 7651 الكلي 15252845
الوقت الآن
السبت 2026/5/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير