الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في أمريكا اليوم.. من يحكم الحدود .. الرئيس أم الدستور؟

بواسطة azzaman

في أمريكا اليوم.. من يحكم الحدود .. الرئيس أم الدستور؟

محمد علي الحيدري

 

لم تعد معركة الهجرة في الولايات المتحدة مجرد خلاف سياسي حول أعداد المهاجرين أو آليات ضبط الحدود الجنوبية، بل تحولت تدريجياً إلى واحدة من أخطر معارك تعريف السلطة داخل النظام الأميركي نفسه. فالقضية المعروضة أمام المحكمة العليا بشأن صلاحيات إدارة الرئيس دونالد ترامب في تقييد طلبات اللجوء لا تختبر فقط سياسات الهجرة، وإنما تختبر أيضاً حدود القوة الرئاسية في مواجهة القضاء والدستور.

منذ عودته إلى البيت الأبيض، تعامل ترامب مع ملف الهجرة باعتباره جوهر مشروعه السياسي، لا مجرد بند ضمن أجندته الداخلية. فهو يدرك أن قضية الحدود تمثل نقطة التعبئة الكبرى لقاعدته الانتخابية، وأنها تختصر خطاباً أوسع يقوم على استعادة “السيطرة” على الدولة والهوية والمجتمع. ولهذا، لم تتردد إدارته في الدفع نحو إجراءات تنفيذية صارمة تمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً في التعامل مع طالبي اللجوء، حتى لو اصطدمت هذه الإجراءات بتفسيرات قانونية ودستورية قائمة منذ عقود.

غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في الهجرة وحدها، بل في السؤال الذي يطفو خلفها: هل تستطيع الرئاسة الأميركية، تحت ضغط الأمن القومي أو الفوضى الحدودية، أن تتجاوز القيود التقليدية التي فرضها النظام الدستوري الأميركي على السلطة التنفيذية؟

هذا السؤال يعيد الولايات المتحدة إلى واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود، لأن فلسفة النظام الأميركي قامت أساساً على الخوف من تركز السلطة بيد شخص واحد، مهما كانت شعبيته أو شرعيته الانتخابية. لذلك، فإن الصدام الحالي بين البيت الأبيض والمحكمة العليا لا يُقرأ بوصفه خلافاً إدارياً عابراً، بل باعتباره جزءاً من معركة أعمق حول طبيعة الجمهورية الأميركية نفسها.

تحول مهم

اللافت أن الجدل الدائر اليوم يكشف تحوّلاً مهماً داخل المزاج السياسي الأميركي. فجزء متزايد من الرأي العام المحافظ لم يعد يرى في القيود الدستورية التقليدية ضمانة للديمقراطية بقدر ما يعتبرها عائقاً أمام “فعالية الدولة” في مواجهة الهجرة والفوضى والانقسام الثقافي. وفي المقابل، يخشى الليبراليون من أن يؤدي توسيع صلاحيات الرئاسة إلى خلق سابقة خطيرة قد تعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي على نحو يمنح البيت الأبيض نفوذاً غير مسبوق.

وما يزيد المشهد تعقيداً أن المحكمة العليا نفسها أصبحت في قلب الاستقطاب السياسي. فبعد سنوات من التحولات داخل تركيبتها المحافظة، باتت كل قضية كبرى تُقرأ سياسياً قبل أن تُقرأ قانونياً. ولهذا، فإن أي حكم يصدر بشأن صلاحيات ترامب في ملف اللجوء لن يُنظر إليه كقرار قضائي فحسب، بل كمؤشر على الاتجاه الذي تسير نحوه أميركا: هل نحو إعادة تكريس مبدأ الفصل بين السلطات، أم نحو رئاسة أكثر قوة وأقل خضوعاً للقيود التقليدية؟

في العمق، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تخوض نقاشاً مؤجلاً حول معنى الدولة الحديثة وحدود الديمقراطية الليبرالية في زمن الخوف والاستقطاب. فحين تتحول الهجرة إلى قضية وجودية، يصبح من السهل تبرير توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية باسم حماية الأمة. لكن التاريخ الأميركي نفسه يثبت أن السلطات الاستثنائية التي تُمنح في أوقات القلق نادراً ما تبقى مؤقتة.

لهذا، فإن معركة الهجرة الحالية ليست مجرد نزاع حول الحدود الجنوبية، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام الأميركي على الحفاظ على توازنه الداخلي في زمن سياسي مضطرب، حيث بات السؤال الأخطر ليس فقط من يدخل إلى أميركا، بل أي أميركا ستخرج من هذه المواجهة.

 


مشاهدات 52
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/05/08 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/05/09 - 2:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 129 الشهر 7652 الكلي 15252846
الوقت الآن
السبت 2026/5/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير