الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شمعون متي صوتٌ لا يشيخ في الذاكرة

بواسطة azzaman

شمعون متي صوتٌ لا يشيخ في الذاكرة

محمد علي محيي الدين

 

في ذاكرة العراقيين أصواتٌ لا تُنسى، أصواتٌ لم تكن مجرد وسائط لنقل الأخبار، بل كانت جزءًا من إيقاع الحياة اليومية، تطرق الأسماع بوقار وتغادرها بطمأنينة. من بين تلك الأصوات يبرز اسم شمعون متي بوصفه أحد أكثر الأصوات رسوخًا في وجدان المستمعين، إذ اقترن حضوره الإذاعي والتلفزيوني بمعنى المهنية الهادئة واللغة المصقولة والالتزام الصارم بجلال الخبر.

وُلد في مدينة الموصل عام 1954، هذه المدينةٍ التي عُرفت بتنوعها الثقافي وعمقها الحضاري، وفيها تفتحت ملامح شخصيته الأولى، وتكوّن وعيه المبكر باللغة والمعرفة. لم يكن طريقه إلى الإعلام تقليديًا، فقد اختار دراسة الفيزياء في جامعة بغداد، وهو اختيار يكشف ميلًا إلى التفكير المنهجي والانضباط العقلي، غير أن ما كان يسكن صوته من دفء واتزان قاده، على نحوٍ شبه حتمي، إلى عالم المذياع والشاشة. هناك، وجد المجال الذي ينسجم مع موهبته الفطرية، فجمع بين دقة العلم وحساسية اللغة، ليصوغ لنفسه مسارًا مختلفًا عن كثير من أبناء جيله.

صوت عميق

بدأ رحلته في زمن كانت فيه الإذاعة نافذة البلاد الكبرى على العالم، وكانت الكلمة المسموعة تحمل وزنها كاملاً دون زينةٍ أو مبالغة. منذ خطواته الأولى، لفت الأنظار بصوتٍ عميق النبرة، واضح المخارج، مشبعٍ بثقافة لغوية رصينة. لم يكن يقرأ الخبر بقدر ما كان يسكبه في أذن المستمع بميزانٍ دقيق، يراعي الإيقاع والمعنى، ويمنح كل كلمة حقها من الحضور. ومع مرور السنوات، صار أحد الوجوه-أو بالأحرى الأصوات-المألوفة لدى الجمهور العراقي، حتى غدا صوته علامةً زمنية تُستحضر معها مراحل كاملة من تاريخ البلاد. تميّز أداؤه بما يشبه السكينة المهنية؛ فلا انفعال يطغى على المعنى، ولا مبالغة تشوّه الوقائع. كان الخبر عنده كائنًا له هيبته الخاصة، ينبغي أن يُقدَّم بوقار، لا أن يُستعرض. التزم العربية الفصحى التزامًا يكاد يكون صارمًا، لكن دون تكلفٍ أو جفاف، فبدت لغته طبيعيةً منسابة، تجمع بين الجمال والوضوح. أما صوته، فقد وُصف مرارًا بأنه “وقور وعميق”، حتى إن بعض الكتّاب شبّهوا حضوره الصوتي بالتراتيل، لما يحمله من أثرٍ نفسي يهدّئ المتلقي ويشدّه في آنٍ واحد. لم يكن مجرد قارئ نشرات، بل أقرب إلى مدرسة قائمة بذاتها في فن الإلقاء الإذاعي. جسّد نموذج المذيع الذي يختفي خلف الخبر ليُبرز جوهره، لا ذاته. وفي زمنٍ شهد تحولات سياسية وإعلامية عاصفة، ظل محافظًا على توازنه، كأنه “ضميرٌ إذاعي” يذكّر بأن المهنة، في جوهرها، مسؤولية قبل أن تكون حضورًا. امتلك ما يمكن تسميته “هوية صوتية خاصة”، إذ كان صوته يُعرَف من أول جملة، دون حاجة إلى تعريف، وهي سمة لا تتأتى إلا لقلة من الإعلاميين.

احترام لغة

ومن خلال مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود، أسهم في تشكيل الذائقة السمعية لجمهور واسع، فتعلم المستمعون-دون أن يشعروا- كيف يُصغى إلى الخبر، وكيف تُحترم اللغة، وكيف يُفصل بين المعلومة والانفعال. لقد كان واحدًا من جيلٍ كان فيه المذيع صوت الدولة والإعلام الرسمي، غير أن احترامه للمهنة انعكس احترامًا متبادلاً من الجمهور، فاحتفظ بمكانته في الذاكرة العامة بعيدًا عن التقلّبات.

ومع تطور الإعلام وتسارعه، وظهور أنماط جديدة تميل إلى الإثارة والسرعة، بدا نموذج شمعون متي أشبه بمرآةٍ لزمنٍ أكثر هدوءًا، زمنٍ كان للصوت فيه سطوته، وللكلمة وزنها، وللمذيع هيبته. لذلك، لا يُستدعى اسمه بوصفه جزءًا من الماضي فحسب، بل بوصفه معيارًا يُقاس عليه، ونموذجًا يُستعاد كلما اشتد الحنين إلى الرصانة والاتزان.بعد عام 2003، خفت حضوره الإعلامي تدريجيًا، ثم آثر الابتعاد عن الأضواء، ليستقر لاحقًا في أربيل. غير أن الغياب لم يُضعف الأثر، فالأصوات الحقيقية لا تنطفئ بانقطاعها، بل تبقى عالقة في الذاكرة، تُستعاد كلما مرّ طيف الزمن الجميل.وهكذا، يبقى شمعون متي أكثر من مجرد مذيع أخبار؛ إنه تجربة صوتية ومهنية متكاملة، تركت بصمتها العميقة في تاريخ الإعلام العراقي، ورسّخت معنى أن يكون الخبر رسالة، لا مجرد مادة عابرة، وأن يكون الصوت أمانة، لا مجرد أداة.

 


مشاهدات 127
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/05/02 - 1:28 AM
آخر تحديث 2026/05/02 - 7:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 301 الشهر 1023 الكلي 15246217
الوقت الآن
السبت 2026/5/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير