عبّاس المستعجل ..وصباح عرار
حاكم الشمري
صديقي صباح عرار المصور الصحفي الذي التقي به كل صباح جمعة في شارع المتنبي الشهير ببيع الكتب حكى لي مجموعة قصص ومن بينها قصة عباس المستعجل التي يكررها في كل لقاء فقلت له ان
الذاكرة الشعبية، كثيرًا ما تُختصر الحكايات في أمثال، وكأنها خلاصة تجارب أجيال كاملة. ومن بين تلك الأمثال، يبرز مثل «عبّاس المستعجل» بوصفه صورة رمزية للشخص الذي يتقدم بخطوة قبل أن ينظر إلى الطريق، ويقرر قبل أن يُمعن التفكير. هو ليس اسمًا لشخص بعينه، بل حكاية تتكرر كل يوم بأسماء مختلفة، في بيوتٍ وأسواقٍ ومواقف حياتية لا تنتهي.
«عبّاس المستعجل» هو ذلك الذي تسبق كلماته عقله، وتسبقه أفعاله إلى نتائج لم يكن يتوقعها. يتسرع في الحكم على الآخرين، فيخسر علاقات ربما كانت تستحق فرصة. يندفع في اتخاذ قرارات مصيرية، فيندم حين لا ينفع الندم. يظن أن السرعة دليل حسم، بينما الحقيقة أن التروي هو عنوان الحكمة.
في حياتنا الاجتماعية، تبدو آثار «الاستعجال» أكثر خطورة وعمقًا. قرارٌ سريع في لحظة غضب قد يهدم أسرة. كلمةٌ قاسية تُقال دون تفكير قد تزرع جرحًا لا يندمل. اختيارٌ متعجل لشريك حياة، أو حكمٌ متسرع على موقف عائلي، قد يفتح أبوابًا من التعقيد كان يمكن تجنبها بقليل من الصبر وكثير من التبصر.
ليست المشكلة في اتخاذ القرار، بل في توقيته وطريقته. فالتأني لا يعني التردد، بل يعني إعطاء العقل حقه من التفكير، والقلب حقه من الاتزان. هو وقفة قصيرة نُعيد فيها ترتيب الأفكار، وننظر فيها إلى الصورة كاملة، لا إلى زاوية ضيقة منها. التأني هو أن نسأل: ماذا بعد؟ ومن سيتأثر؟ وهل يمكن إصلاح ما قد نُقدم عليه؟
كم من «عبّاس مستعجل» خسر صديقًا لأنه لم يمنح نفسه دقيقة إضافية للاستماع؟ وكم من أسرة اهتزت لأن أحد أفرادها اتخذ قرارًا متسرعًا دون استشارة أو تفكير؟ وكم من ندمٍ طويل كان يمكن اختصاره بلحظة صمتٍ قصيرة؟
في زمن السرعة الذي نعيشه، حيث كل شيء يدفعنا إلى الاستعجال، تصبح الدعوة إلى التأني ضرورة لا ترفًا. فليست كل الأمور تُحسم بالسرعة، ولا كل القرارات تقبل العجلة. هناك أمور تحتاج إلى هدوء، وإلى مشورة، وإلى قلبٍ لا تغلبه اللحظة.
«عبّاس المستعجل» ليس مجرد مثل… بل تحذير. تحذير من أن نكون أسرى ردود أفعالنا، ومن أن نسمح للحظة عابرة أن ترسم مسار حياتنا. وبين الاستعجال والتأني، تقف الحكمة كخيارٍ ناضج، يختار أصحابه أن يفكروا قبل أن يقرروا، وأن يبنوا لا أن يندموا.
فربّ قرارٍ تأخر قليلًا… أنقذ كثيرًا.