الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عن عبد الرزاق عبد الواحد


عن عبد الرزاق عبد الواحد

وجيه عباس

 

بناء القصيدة العمودية التقليدية أشبه بمربعات شطرنج، كل مربع محفوظ لكلمة، الشاعر الذي يملك حباً في داخله للغة، يستطيع سكب محبته على أحجاره أو كلماته، أحجار الشطرنج أو كلمات الشعر تسير وفق قانون اتفق عليه الأولون وأقره التالون، تستطيع ابتكار نقلة جندي في رقعة الشطرنج باتفاق اللاعبين، لكنك لن تستطيع كسر عمود الشعر بتلك السهولة إلا بوجود نظرية جديدة للعروض الشعري وهو علم مظنون على غير أهله، في التسعينات تستطيع أن تغرد مع الغربان، لكن أن تطير وحدك وتغرد وحدك فتلك مهمة أشبه بالإعدام على أيدي الشعراء أنفسهم باعتبارهم مرضى نفسيين مزمنين يتداوون ببحور الشعر وماتلقيه أذهانهم من صور... تحدثت مع نفسي كثيراً، وحرصت أن لا أكون زيادة في نقصان، التفعيلات بين أصابعي مثل العجين الذي أشكله بين راحتي، الشاعر الكبير يكتب قصيدته وهو مشدود لقانون المتحرك والساكن، ثم  تلبسه القافية مثل همٍّ، الشاعر المهم من يطير بخياله وكلماته إلى سماء معينة ويبقي رابطاً بينه وبين المتحرك والساكن لايمكن لأحد أن يراه، أما القافية، فإنَّه لايخضع للمتوقع منها إلا بقافيتين من سبعين قافية لانهما تخدمان الصورة التي يشكلها ليس إلا.

هكذا ابتدأت قصيدة «جنوبا إلى القلب»، أنا اعشق البحر الكامل في قصيدة العمود كما يعشقه محمود درويش في قصيدة التفعيلة، بقيت شهراً كاملاً وأنا مسكون بها، كتبتها في الأيام التي تلت استشهاد السيد محمد محمد صادق الصدر الصدر» قدس سره» على أيدي عصابات البعث الكافرة، كل كلمة وكل جملة وكل قافية وكل صورة شعرية تختلف بنسبة كبيرة عن المعتاد في القصيدة العربية الكلاسيكية على الرغم من التزامي بقوانينها.

سبب التصرف

نضدت القصيدة على آلة طابعة بنسختين، أخذت نسخة واحدة منها إلى أبينا الشعري  عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان يحتفي بنا، كان يشغل منصب مستشار وزير الثقافة، كنت حينها أحمل رتبة رائد في الشرطة العراقية، لكني، ذهبت إليه بالزي المدني، سلمت عليه، الرجل كان متواضعاً، ترك مكتبه ووقف معي، قلت له بخجل: استاذنا ابو خالد جئتك بقصيدة، لم يكن مهتما بالقصيدة استلمها مني ثم وضعها على مكتبه وكأنه يقول لي: إذهب الآن فقد استلمت القصيدة!!، حين وضع القصيدة على منضدته أحسست بالصغر، فقلت له: لا إعطني القصيدة وسأعود بها، اتسعت عيناه بالدهشة وكأنه يسألني عن سبب هذا التصرف، قلت له: أنا أحمل معي نصاً لم يقرأه أحد قبلك... قال لي بلغة ودودة: أنا لي طقوس خاصة في قراءة القصيدة، قلت له: مارس طقوسك الآن واعتبرني كاميرا صامتة تسجل حالتك لتقولها عنك فيما بعد بأنَّ عبد الرزاق عبد الواحد يقرأ القصيدة  الشعرية المهمة هكذا!!... كنت أعرف قيمة القصيدة التي أحملها، لم اقرأ قصيدة في تأريخ الشعر العربي تملك في حداثتها مثل قصيدتي، نرجسية الشاعر في داخله أقنعته بمنطقي الواقعي، قال لي: إذن لأَّعدَّ لنا فنجانين من القهوة، بعد أن أكمل إعداد القهوة، سارعت إليه لأخذ فنجاني بينما هو وضع فنجانه أمامه وجلب علبة سجائره الطويلة ديموريه، وقال: الآن أنا لا أراك، جلس في الجهة اليمى قبلاة منضدته الكبيرة في وسط المكتب وجلست أنا قبالته، سحبت سيجارة من علبة سجائر السومر الالماني الأسود أبو السن الطويل وأنا انظر اليه، قرأ البيت الاول مطلع القصيدة، أعاد القصيدة إلى المنضدة، ورشف رشفة من فنجانه وأشعل سيجارته.... أحسست أنه وقع في كمين لم يظن انه سيقع فيه، عاد إلى القصيدة وقرأ البيت الثاني وكان:

وأَقِلْ بها وجعي، يجئكَ من الدجى

       وجه تخلَّقَ من ذنوبِ الماءِ

صرخ وحده وكأنَّني غير موجود!: أخ الگحبة شلون جبتها هاي.... هو صابئي وكل عبادتهم وطقوسهم لها علاقة بالماء، فكيف تتجرأ وتقول أنَّ وجهك الذي يأتي من الظلمة يتخلق من ذنوب الماء؟ وهل للماء ذنوب؟!، لم يقدر على الجلوس فقام يقطع الغرفة ذهاباً وإياباً، وهو يكمل القصيدة، أشبعني شتائماً لم يطلقها أحد في وجهي من قبل، لكنني لحظتها كنت فرحاً أنَّ قصيدتي قلبته ظهراً لبطن.... وجَّه عبد الرزاق عبد الواحد أشبه بالأرض السبخة التي يميل لونها إلى السواد، الدمعات التي تنزل على خديه لاتنشف بسرعة، بل تبقى تلمع، خُيَّلَ لي أن وجهه تحول إلى بحيرة من الدمع، أنا شاهدته يبكي بحزن حقيقي مرتين، هذه المرة الأولى، والثانية حين زرناه أنا وصديقي الشاعر عماد جبار حين قرأ لنا ذكرياته عن أستاذه الجواهري، لكنني أدّعي أن المرة الأولى كانت أكثر حزناً فقد كان يبكي على نفسه، أنهى القصيدة، ووجهه مملوء بالدمع، احترمت حزنه فقمت لأغادر، قال لي: أريد هذه النسخة، قلت له:استاذي، أنا جلبتها لك أنت وليس لغيرك، شدَّ بكلتا يديه على يديَّ، برقة أبٍ حانٍ وأوصلني إلى الباب وقال لي جملة لم تبارح عقلي لحظة واحدة:

بريد البصرة

- معقولة أنَّ الضمير الذي كنت أبحث عنه طيلة عمري ألگاه عند شرطي!!

وهز رأسه وكأنه يؤكد استنتاجه... وذهبت.

هذه القصيدة، قراتها في المربد الشعري، بالبصرة، وحين اتممتها وجلست وكنت تعباً جداً، حضر من أقصى يمين القاعة إلي شاعر مصري حقيقي، هو المرحوم محمد عفيفي مطر وربّت على كتفي، فقمت إليه وأنا أرد سلامه عليَّ، قال :أحييك على هذه القصيدة، أنت شاعر شاعر وكبير، لا أنس أن رئيس اتحاد الأدباء حينها هاني وهيب كلف أحدهم من يتصل بقناة العراق الفضائية وإبلاغهم بمنع قصيدة وجيه عباس من البث، يقول لي المخرج حسن قاسم الذي كان يعمل حينها مخرجاً في قناة العراق الفضائية: لما سمعت بأمر المنع ذهبت، واستمعت إليها وحمدت الله انهم لم يعدمونك بسببها، لكن يقيناً أن القصيدة شكلت هماً شعرياً لدى الشعراء الشباب حينها.

نقل لي الشاعر عبد المنعم حمندي رأي محمد عفيفي مطر بالقصيدة، وطلبت منه أن يكتبها لي، وكتبها مشكوراً ومازلت أحتفظ بها.

 


مشاهدات 81
الكاتب وجيه عباس
أضيف 2026/05/01 - 11:48 PM
آخر تحديث 2026/05/02 - 8:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 360 الشهر 1082 الكلي 15246276
الوقت الآن
السبت 2026/5/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير