أدب الكلام وفن الإصغاء
رعد البيدر
تعلمنا من دراستنا وعلاقاتنا الاجتماعية أساليب (المناقشة أو المحاورة المنطقية)؛ مما يعني أنَّ استقامةَ المجالسِ ركيزةٌ أساسيةٌ في بناءِ الهيبةِ وصونِ الود. الانفرادُ بالحديثِ واستعجالُ القولِ يمثلُ مظهراً من مظاهرِ الغرور، ومسلكاً يولدُ جفاءَ القلوبِ وضيقَ الصدور. أما الاسترسالُ بلا انقطاعٍ فإنه يطمسُ معالمَ الحكمة، ويحولُ الحوارَ من تبادلٍ فكريٍّ إلى استعراضٍ ذاتيٍّ مفرغٍ من القيمة. حرمانُ الآخرين من المشاركةِ يُعدُّ تعدياً على حقِّ الحضور، يورثُ في النفسِ وَهْماً زائداً بالعظمة، ويحجبُ عن المرءِ رؤيةَ الحقائقِ بعيونِ غيره. تحليلُ السلوكِ الكلاميِّ يكشفُ عن تباعدٍ شاسعٍ بين ثَرْثَرَةٍ تُفقدُ المنطقَ بهاءَه، وبين إصغاءٍ يمنحُ الكلمةَ ثقلَها. كثرةُ الهَذْرِ تفتحُ أبوابَ الزَّلَلِ وتكشفُ عوراتِ العقل، بينما يُتيحُ التمهلُ فرصةً لنضجِ الفكرةِ وسلامةِ المخرج. المقارنةُ ترجحُ كفةَ الصمتِ الواعي؛ فالبديلُ الأرقى يكمنُ في كبحِ جماحِ اللسان، وتقديمِ أذنٍ صاغيةٍ تستوعبُ المقصدَ قبلَ الرد، والالتزامِ التامِ بعدمِ مقاطعةِ المتحدثِ حتى يفرغَ من تمامِ حديثه. اختيارُ الصمتِ في مقامِ الإصغاء، واختصارِ القولِ في مقامِ النطق، يمثلُ قمةَ الرشاد. تقبّلُ الاختلافِ برزانةٍ يرفعُ شأنَ الصاحب، والابتعادُ عن استعراضِ سعةِ المعرفةِ يحمي من الوقوعِ في شَرَكِ التكبر. خلاصة ما سبق تعني أنَّ قيمةُ المرءِ تظهرُ في حُسنِ توقيتِ كلامه، وعُمقِ تأملهِ في قولِ غيره. الاقتصادُ في الحروفِ صيانةٌ للقدر والمكانة، والسكوتُ عند سماعِ الغيرِ سلامةٌ من الندم. مَن مَلَكَ لسانَه مَلَكَ ودَّ الناس، ومَن أسرفَ في منطقِه خسرَ غايتَه وَانْتَقَصَ مِنْ هَيْبَتِهِ. سُطوري دعوةُ ناقدٍ لا تشهيرُ منتقد؛ فقد خلَّت السطور من الأماكنِ والأسماءِ وما قيلَ وقال، ومَن يشكُ أنَّ المعنى يتجسدُ فيه، فلينتبه لنفسه؛ إذ أوصلني إلى سموِّ غايتي - ناصِحاً لا قادِحاً.