الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جماهير الصقور تكتب درساً جديداً في التشجيع المثالي

بواسطة azzaman

حين يُمنع الصوت من المدرّجات

جماهير الصقور تكتب درساً جديداً في التشجيع المثالي

 

النجف -نجم عبد كريدي

مما لا شك فيه أن التشجيع في كرة القدم لم يعد مجرد حضورٍ عابر أو صراخٍ لحظي، بل أصبح ثقافة متكاملة، وسلوكًا حضاريًا يعكس وعي الجماهير وانتماءها الحقيقي. فالتشجيع المثالي هو ذلك الدعم الإيجابي المستمر للفريق، في الفوز.

تنفس اللاعبين

كما في الخسارة، عبر هتافاتٍ حماسية منظمة، وروحٍ رياضيةٍ عالية، بعيدًا عن الإساءة أو الانفعال غير المسؤول. إنه منظومة تبدأ من المدرجات، لكنها في الحقيقة تنبع من القلب.

الجمهور هو “الأوكسجين” الذي يتنفس منه الفريق، وبدونه تفقد المباريات بريقها، ويخسر اللاعبون جزءًا كبيرًا من دوافعهم. ولعل سر البطولات لا يكمن فقط في مهارات اللاعبين أو خطط المدربين، بل في ذلك الصوت الصادق الذي يهتف خلفهم دون شروط. ويمكن استعراض أركان التشجيع المثالي في كرة القدم من خلال عدة محاور واضحة، أولها الدعم الدائم (الوفاء)، حيث يقف الجمهور خلف فريقه في أوقات الهزيمة قبل الانتصارات، بعيدًا عن ثقافة “التشجيع عند الفوز فقط”. فالجماهير الحقيقية تُعرف في الأوقات الصعبة، لا في لحظات الفرح.

أما الركن الثاني فهو الروح الرياضية والابتعاد عن العنف، إذ أن التشجيع لا يعني الإساءة للمنافس أو إثارة الشغب، بل احترام الجميع داخل الملعب وخارجه. ويأتي بعد ذلك تنظيم الهتافات الإيجابية، من خلال الأهازيج الموحدة التي تخلق حالة من الانسجام بين الجمهور وتمنح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة، بدلًا من العشوائية أو العبارات المسيئة.

لوحة فنية

ولا يمكن إغفال جانب الاحتفالية الملونة، حيث تتحول المدرجات إلى لوحات فنية عبر الأعلام والتيفو واللافتات، في مشهد يعكس هوية النادي ويُبرز حجم الانتماء. إضافة إلى ذلك، يبقى التحكم في الأعصاب عنصرًا أساسيًا، فالتشجيع الواعي يعني تقبل النتائج بروح مسؤولة، بعيدًا عن ردود الفعل المتشنجة. وأخيرًا، يأتي التشجيع الواعي الذي يفهم ظروف الفريق واللاعبين، دون ممارسة ضغطٍ سلبي عليهم في فترات التراجع. وفي مشهدٍ غير مسبوق في تاريخ الدوري العراقي، تجسدت هذه المفاهيم بشكلٍ حيّ ومؤثر، عندما حُرمت جماهير نادي القوة الجوية من دخول الملعب، لكنها رفضت أن تُحرم من أداء دورها الحقيقي. ففي مباراة الفريق أمام أربيل ضمن دوري نجوم العراق، والتي انتهت بالتعادل (1-1)، صنعت جماهير “الصقور” قصة استثنائية ستبقى في الذاكرة.

قرار لجنة الانضباط في الاتحاد العراقي لكرة القدم بحرمان جماهير القوة الجوية من حضور مباراتين على أرضه.

 مع فرض غرامة مالية. قدرها 10 ملايين دينار، جاء على خلفية تكرار الهتافات غير المقبولة في مباراة سابقة أمام الشرطة، والتي انتهت (3-3). لكن الرد الجماهيري لم يكن بالصدام أو الفوضى، بل كان درسًا راقيًا في معنى الانتماء.

خرجت جماهير الجوية بأعداد هائلة، لا لتقتحم المدرجات، بل لترافق فريقها من خارجها. سارت لمسافات طويلة في شوارع الحبيبية، متجهة نحو ملعب المدينة الدولي، تهتف وتغني وتُلوّن المكان بأعلامها، وكأنها تقول: “قد تمنعوننا من الدخول… لكن لن تمنعونا من الحب”.

ذلك المشهد لم يكن مجرد مسيرة، بل كان إعلانًا صريحًا بأن التشجيع لا يُقاس بمكان، بل بموقف. وأن الوفاء لا تحدّه قرارات، بل يُثبت نفسه في أصعب اللحظات.

ومن بين تلك الحشود، عبّر أحد المشجعين المخضرمين عن جوهر الحكاية بكلماتٍ صادقة قائلاً:

فريق القوة الجوية هو عائلتي ومصدر سعادتي، أنتمي إليه منذ السبعينيات… هذا النادي الذي لم يخذل جماهيره يومًا. مجرد نظرة إلى شعاره تُشعل في داخلي مشاعر الحب والفخر. سأكون بجانبكم في الخسارة قبل الفوز، في أسوأ الظروف وأجمل اللحظات يا جويتي… لا أتخلى عنكم حتى آخر أنفاسي.”

هذه الكلمات لم تكن مجرد تصريح، بل كانت اختصارًا لعقودٍ من الانتماء، وتجسيدًا حيًا لمعنى التشجيع المثالي.

ما فعلته جماهير القوة الجوية لم يكن تحديًا للعقوبة، بل ارتقاءً بها. لقد قدمت نموذجًا يُحتذى، مفاده أن الحب الحقيقي لا ينكسر، وأن الجمهور الواعي قادر على تحويل أصعب الظروف إلى أجمل صور الدعم.

في النهاية، تبقى كرة القدم لعبة جماهير قبل أن تكون لعبة لاعبين. وعندما يكون الجمهور بهذا الوعي والوفاء، فإن الفريق لا يمكن أن يكون وحيدًا أبدًا… حتى لو أُغلقت أبواب المدرجات.


مشاهدات 99
أضيف 2026/04/27 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/04/28 - 12:54 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 554 الشهر 24785 الكلي 15242858
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير