هل تلاشت الرحمة في زحام هذا العصر؟
رَيّا سعد
في وقتٍ يُفترض أن يصل فيه الإنسان إلى أعلى درجات الوعي والتقدّم، تتزايد المؤشرات على تراجع القيم التي شكّلت أساس وجوده. لم تعد الرحمة سلوكًا شائعًا كما كانت، بل أصبحت موقفًا نادرًا يُلفت الانتباه. وبين ضغوط الحياة وتسارع الأحداث، يبدو أن الإنسان بدأ يتخلّى، تدريجيًا، عن أبسط ما يجعله إنسانًا.
لم تعد القسوة اليوم استثناءً، بل أصبحت مشهدًا يتكرر في تفاصيل الحياة اليومية. من حروبٍ تُزهق فيها الأرواح بلا رحمة، إلى فقرٍ يُترك أصحابه لمصيرهم، إلى علاقاتٍ إنسانية باتت تحكمها المصلحة أكثر من المشاعر. وكأن العالم، رغم تطوره، يفقد شيئًا من روحه.
أحد أبرز أسباب هذا التراجع هو الاعتياد؛ فقد أصبح الإنسان يرى الألم بشكلٍ يومي عبر الشاشات، حتى فقد حساسيته تجاهه. صور المعاناة لم تعد توقظ الضمير كما كانت، بل تمرّ أحيانًا مرورًا عابرًا. كذلك، أسهمت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في جعل الفرد أكثر انغلاقًا على ذاته، منشغلًا بنجاته الشخصية على حساب الآخرين.
ولا يمكن تجاهل تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، التي رغم أنها قرّبت المسافات، إلا أنها في كثير من الأحيان عمّقت الفجوة الإنسانية. فالعلاقات أصبحت سطحية، والتفاعل بات رقميًا باردًا، يفتقر إلى حرارة التعاطف الحقيقي. لكن، رغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن القول إن الرحمة قد اختفت بالكامل. فهي لا تزال موجودة في مواقف صامتة: في يدٍ تمتد لمساعدة محتاج، في كلمة طيبة تُقال في وقتها، في أمٍ تسهر على راحة أبنائها، أو شابٍ يختار الخير رغم قسوة الظروف. الإنسانية لم تمت، لكنها بحاجة إلى من يُحييها ويُعيد الاعتبار لها. إن استعادة الرحمة لا تحتاج إلى قرارات كبرى بقدر ما تحتاج إلى وعي فردي. أن نُحسن الظن، أن نُخفف من أحكامنا القاسية، أن نُبادر بالخير دون انتظار مقابل. فكل فعلٍ إنساني، مهما كان بسيطًا، هو خطوة نحو إعادة التوازن لهذا العالم.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن ضحايا لزمنٍ قاسٍ، أم أننا ساهمنا – بصمتنا أو لامبالاتنا – في صنع هذه القسوة؟
الإجابة تبدأ من كل فردٍ فينا.