الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأمن المعاصر..  السيادة الرقمية والحوكمة الأمنية بديلاً للقبضة الحديدية

بواسطة azzaman

الأمن المعاصر..  السيادة الرقمية والحوكمة الأمنية بديلاً للقبضة الحديدية

أكرم عبدالرزاق المشهداني

 

بينما لا تزال أصوات الرصاص وأدخنة الحروب التقليدية عالقة في ذاكرة المنطقة، يطل علينا قرن جديد لا يعترف إلا بلغة الأرقام والشيفرات. لم يعد الأمن المعاصر مجرد جندي يقف خلف ساتر، بل أصبح «عقلاً رقمياً» يرى ما لا يراه البشر، ولم يعد الأمن المعاصر اليوم يُقاس بعدد الحواجز الكونكريتية والسيطرات التقليدية أو انتشار العناصر المسلحة في الشوارع، بل يقاس بقدرة الدولة واجهزتها الامنية على استباق التهديد قبل وقوعه باستخدام التكنولوجيا والمنهج العلمي.

الأمن المستدام:

وفي الحالة العراقية، يتحقق الأمن المستدام عبر أربعة محاور أساسية:

1. العمل الاستخباري المعلوماتي (TECHINT) بدلاً من الاعتماد الكلي على المخبر البشري السري او العلني، الذي قد يصيب ويخطئ، وعليه يجب التحول نحو:

(أ)   تحليل البيانات الضخمة: مراقبة أنماط الجريمة والتحركات عبر خوارزميات تتنبأ بـ»بؤر التوتر».

رؤية شاملة

(ب) منظومات المراقبة الذكية: نشر كاميرات حرارية وطائرات مسيرة (Drones) مرتبطة بغرف عمليات مركزية توفر رؤية شاملة للحدود والمدن والأماكن المرشحة للجريمة.

2. الأمن السيبراني والسيادة الرقمية في عصر «الحروب غير المرئية»، ويعتبر تأمين «السحابة الوطنية» العراقية أولوية، من اجل:

(أ): حماية المؤسسات المالية ومحطات الطاقة من الهجمات الإلكترونية.

(ب) توطين السيرفرات لضمان عدم تسرب بيانات المواطنين إلى قوى إقليمية أو دولية.

3. منهج «الأمن الناعم» وإصلاح القطاع الأمني والتحول من «أمن النظام» إلى «أمن المواطن» عبر:

(أ‌)الاحترافية (Technocracy): إبعاد المؤسسات الأمنية عن المحاصصة الحزبية، وتحويلها إلى وحدات تكنوقراطية تتعامل مع المعلومة بمهنية.

(ب‌)تجفيف المنبع: استخدام التتبع المالي الرقمي لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الفصائل والجماعات الخارجة عن القانون.

4. الأدوات والمناهج: استخدام المنهج الاستباقي: استبدال رد الفعل اللاحق (بعد وقوع الجريمة) بـ «الوقاية الرقمية المسبقة» من خلال استخدام أدوات الذكاء الإصطناعي واستخدام برامج التعرف على الوجوه وتحليل الصوت لضبط المطلوبين في الزحام دون عرقلة حياة المدنيين.

كيف السبيل؟:

من القبضة الحديدية إلى الخوارزمية الذكية.

استخدام «السيادة الرقمية» و»الحوكمة الأمنية».

التركيز على «جودة المعلومة» لا «كثرة السلاح».

أمن المستقبل يعتمد على نجاح العراق في عبور بوابة «الخوارزمية»

فهل يستطيع العراق، الذي خاض حروباً مريرة بجسده، أن يحمي مستقبله بعقله التقني؟

الأدوات: سلاح القرن الحادي والعشرين

1.السيادة على «السحابة»: لا أمن بلا «سحابة وطنية» تخزن بيانات العراقيين داخل حدودهم، بعيداً عن أعين القوى الإقليمية والدولية.

2.استخدام الدرونز والذكاء الاصطناعي: استبدال الدوريات البشرية المكشوفة بطائرات مسيرة ذكية تراقب المسافات الشاسعة وتحدد التهديد بدقة متناهية.

3.الأثر الرقمي: تتبع منابع تمويل الإرهاب والجريمة عبر مراقبة التدفقات المالية الرقمية، وهو السلاح الأكثر فتكاً بالفساد والفوضى.

أنموذج فريد

النموذج العراقي: التحدي والفرصة

العراق اليوم يمثل أنموذجاً فريداً؛ فهو يمتلك خبرة ميدانية هائلة من حربه ضد الإرهاب، لكنه يحتاج لدمج هذه الخبرة في قالب «تكنوقراطي». الأمن المعاصر في العراق يتطلب «تأميم التكنولوجيا»؛ أي أن يمتلك العراقيون مفاتيح أنظمتهم الأمنية بأنفسهم، بعيداً عن التبعية التقنية التي قد تتحول إلى «ثغرة» في وقت الأزمات.

 خلاصة القول:

(1) إن أمن العراق المعاصر يكمن في «حوكمة ومأسسة المعلومة» وتحديث الأدوات.

 فالدبابة قد تحمي حدوداً، لكن الخوارزمية هي التي تحمي المجتمع من التفتت والاختراق في القرن الحادي والعشرين.

      (2) يتحقق الأمن المعاصر في العراق عبر الانتقال من مناهج «المطاردة» إلى مناهج «الاستباق». هذا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك الجريمة المنظمة والتحركات المشبوهة عبر الحدود قبل أن تتحول إلى فعل مادي.

 المنهج الحديث هو «أمن وقائي» يعتمد على جودة المعلومة وسرعة معالجتها. والتحول من «رد الفعل» إلى «التنبؤ الرقمي»

(3): إن معركة العراق القادمة ليست في شوارعه، بل في «سيرفراته». الأمن المعاصر ليس هيبة سلاح، بل هيبة معلومة. و(الأمن الرقمي هو درع العراق الجديد).

 وإذا أراد العراق استقراراً لا يهتز، فعليه أن يدرك أن «الخوارزمية هي الحارس الجديد»، وأن السيادة الحقيقية تبدأ من حيث تنتهي قدرة الآخرين على اختراق بياناتنا.

 فمن يمتلك الشيفرة، يمتلك الأمان. ولنعلم ان أن التكنولوجيا «تخدم الإنسان» ولا تراقبه، ختاما اسال القارئ الكريم «هل تعتقد أننا مستعدون لاستبدال الحواجز الكونكريتية بالحواجز السيبرانية؟»

مستشار قانوني وأمني


مشاهدات 58
الكاتب أكرم عبدالرزاق المشهداني
أضيف 2026/04/26 - 2:51 PM
آخر تحديث 2026/04/27 - 6:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 246 الشهر 23498 الكلي 15241571
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير