الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصمت والصبرِ لا يصنعانِ التغييرُ

بواسطة azzaman

الصمت والصبرِ لا يصنعانِ التغييرُ

محمد خضير الانباري

 

    في غالبِ الأحيان، ينظرَ إلى الصمتِ والصبرِ كفضيلتين، لكنْ حينَ يتحولانِ إلى حالةٍ دائمةٍ منْ الاستسلام، يصبحانِ عائقا أمامَ التغييرِ والتقدمِ فالمجتمعاتِ والأفرادُ لا يتطورون، إلا بالتعبيرِ عنْ آرائهم، والمطالبةُ بحقوقهم، والسعيُ الجادُ لتحسينِ واقعهم.

   إنَ السكوتَ عنْ المشكلاتِ لا يحلها، بلْ قدْ يزيدها تعقيدا، كما أنَ الصبرَ دونَ عملٍ لا يثمرُ نتائجَ ملموسة. ومنْ هنا يبرزُ التساؤل: هلْ يكفي أنْ نصمتَ ونصبر، أمٌ أنَ التغييرَ يحتاجُ إلى جرأةٍ في المواجهةِ وخطواتِ عمليةٍ نحوَ الإصلاح؟

    تتجسدَ هذهِ الفكرةِ في قصةِ قبيلةٍ كبيرة، عاشتْ حالةً منْ الفوضى لربعِ قرنِ منْ الزمن، بعدُ أنْ انتزعتْ إدارتها منْ أهلها الأصليين، بالتواطؤِ والاحتيالِ والخيانة، لتؤول إلى مجموعةٍ منْ المنفذينَ الجدد، الذينَ أصبحوا اثنيْ عشرَ أخا في نهاية الفوضى؛ يظهرونَ أمامُ الناسِ بتماسكهمْ وببعضِ الكلماتِ التي تجمعهم، لكنْ كلٌ واحدٌ منهمْ كانَ يخفي في داخلهِ هدفٌ مختلف، ومشاعرُ تنافسِ وحقدِ مكتومْ تجاهِ الآخرين، كانوا يجتمعونَ على غايةٍ واحدةٍ تتمثلُ في السعيِ وراءَ مصالحهمْ الدنيوية.

   برزَ بينهمْ رجلٌ مختلف، لمْ يكنْ جزءا منْ مجالسهمْ ولا منْ حساباتهم، اختارَ الابتعادُ عنْ إخوته، يناورَ أحيانا ويصمتَ أحيانا أخرى، مدركا أنَ المواجهةَ المباشرةَ قدْ لا تخدمهُ دائما، ومعَ ذلك، كانَ يتمتعُ بثقلٍ كبيرٍ بينَ فقراءِ القبيلة، الأمرُ الذي جعلَ الآخرينَ يتجنبونَ الاصطدامُ معه، بل، ويستجيبونَ لمطالبهِ أحيانا خوفا منْ انقلابِ الرعيةِ ضدهم.

     أما ديوانُ القبيلة، الذي كانَ يفترضُ، أنْ يكونَ بيتٌ كبيرٌ للجميع، فقدْ تحول معَ الوقتِ إلى مركزِ نفوذٍ ومصالح، وبيعَ مناصبَ ومزايداتِ لمنْ يريد أنْ يجلسَ في صدره، أوْ في بعضِ أركانهِ الأربعةِ المهمة، حيثُ تتدفقُ إليهِ الأموالُ وتفتحُ أمامهُ الطرقُ الوعرة، بغضِ النظرِ عنْ الوسيلة؛ فالمهمّ لمٌ يكنُ كيفَ تأتي المكاسبُ إلى هذا الديوانِ.

     وفي المقابل، كانَ عامةً الرعية، يعيشونَ واقعا مختلفا، كلما اشتدتْ عليهمْ الأزمات، استمعوا إلى الخطبِ والمواعظِ منْ بعضِ الأشخاصِ المدفوعينَ بالمالِ منْ ديوانِ القبيلة، التي تدعوهمْ إلى الصبرِ والزهد، وتذكرهمْ بالآخرةِ والخمرِ والعسلِ وحورِ العيون. كانَ بعضهمْ يطالبُ الرعية، بالصمتِ بحجةِ الخوفِ عليهم، غيرَ أنَ للصمتِ حدودا، كما أنَ للصبرِ نهاية؛ وكما عبرتْ عنْ ذلكَ مطربنا الكبيرةُ (أمْ كلثوم) في أغنيتها (إنما للصبرِ حدودٍ ) ، فإنَ للصبرِ سقفا لا يمكنُ تجاوزه، فالسكوتُ عنْ الحقِ لا يعدْ حكمة، بلْ تواطؤا يطيلُ أمدَ الخطأ. ويذكرنا بالقول: " الساكتُ عنْ الحقِ شيطان أخرسَ " ومعَ كلِ شغورٍ في موقعِ قيادةِ القبيلة، كانَ الإخوةُ يجتمعونَ طويلا، لا للتفكيرِ في خدمةِ الناس، بلْ لتقسيمِ المواردِ وضمانِ حصصهمْ قبلَ تسليمِ الشيخةِ لأحدهم. وكانَ يحيطُ بهمْ رجالٌ لا يرونَ إلا بريقُ المال، يصفقونَ لمنْ يدفع أكثر، ويهتفونَ لمنْ يغدقُ عليهم.

وهكذا، تكشفَ القصةُ أنَ الصمتَ والصبر، إنَ لمْ يقترنا- بالفعل- والمساءلة، قدْ يتحولا منْ فضيلتينِ إلى أدواتٍ تكرسُ الخلل، وتؤجلَ أيَ أملٍ في الإصلاحِ الحقيقيِ.

 مرتْ السنوات، حتى اكتملَ ربعُ قرنِ منْ المعاناة؛ ازدادتْ فيهِ أحوالُ أبناءِ القبيلةِ سوءا، وضاقتْ الأرضُ بخيراتها، وتآكلتْ ثقةُ الناسِ بكلِ ما حولهم، صارَ الماضي في أعينهمْ أكثرَ إشراقا منْ حاضرهم، وكأنَ الزمنَ لمْ يتقدمْ بهم، بلْ أعادهمْ خطواتٍ إلى الوراء.

  وفي ليلةٍ هادئة، اجتمعَ شيخُ طاعنٍ في السنِ حولهُ نفرُ منْ الشباب، تتقاذفهمْ الحيرةُ والأسئلة، فنظرَ إليهمْ بعينٍ خبرتْ الأيام، وقالَ بصوتٍ منخفضٍ لكنهُ عميق: لا تنتظرونَ ممنْ غرقَ في الدنيا أنَ ينتشلكمْ منها … فالنجاةُ لا تبدأُ حينَ تسمعونَ الحقيقة، بلْ حين تدركونها وتعملونَ بها.

    ثمَ سكتتْ لحظة، وكأنهُ يتركُ لكلماتهِ أنْ تستقرَ في قلوبهم، وذكرهم بقولهُ تعالى: (إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد، 11. لمْ يتبدلْ حالُ القبيلةِ في تلكَ الليلة، لكنَ شيئا خفيا بدأَ يتغير؛ عيون أخذتْ تبصرُ ما كانَ غائبا عنها، وعقول بدأتْ تتساءلُ بدلَ أنْ تستسلم.

  وهكذا يتضحُ أنَ حينُ تتحولُ القيادةُ إلى وسيلةٍ للغنيمة، ويستغلَ الدينُ لتخديرِ الناس، لا يكونُ الفسادُ حكرا على القمةِ وحدها، بلْ يمتدُ إلى صمتِ منْ يقبلُ به، فالتغييرُ لا يصنعهُ منقذٌ ينتظر، بلْ وعيٌ يولد، يعيدَ للناسِ حقهمْ في الاختيار، ويوقظَ فيهمْ مسؤوليةُ النهوضِ بأنفسهمْ قبلَ كلِ شيء.


مشاهدات 148
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/04/25 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/04/30 - 11:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 457 الشهر 26734 الكلي 15244807
الوقت الآن
الخميس 2026/4/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير