الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شكل السنوات القادمة

بواسطة azzaman

شكل السنوات القادمة

ثامر محمود مراد

 

وبينما العالم يحدّق في شاشاتٍ تمتلئ بصور الناقلات، ويحصي عدد المدمرات، ويتابع التصريحات المتوترة التي تُقال وتُسحب في اللحظة نفسها، دعونا نطرح السؤال الذي يُهمَس به في الغرف المغلقة ولا يُقال بصوتٍ عالٍ: لماذا يبدو المشهد أكبر من مبرراته المعلنة؟ ولماذا تتحرك القوى كما لو أن ما يُدافَع عنه ليس حدثاً طارئاً، بل نظامٌ كاملٌ يخشى الانكشاف؟

إذا قيل إن المسألة تتعلق بسلاحٍ هنا أو تهديدٍ هناك، فذلك تفسيرٌ يكتفي بسطح الصورة. وإذا قيل إنها ترتبط بأمن حليفٍ أو توازن منطقة، فذلك توصيفٌ ينظر إلى الأعراض لا إلى الجذور. لأن الحقيقة، حين تُنزع عنها اللغة الدبلوماسية، تبدأ من مكانٍ آخر… من فكرةٍ بسيطة وخطيرة في آنٍ واحد: من يملك قواعد اللعبة لا يحتاج إلى الفوز في كل جولة، يكفيه أن يمنع الآخرين من تغيير القواعد.

منذ لحظةٍ ما في التاريخ الحديث، لم يعد المال مجرد وسيلة تبادل، بل أصبح أداة نفوذ. لم يعد السؤال: من يملك الثروة؟ بل: من يحدد شكلها، مسارها، ولغتها؟ وهنا تبدأ الحكاية التي لا تُروى كاملة، حكاية النظام الذي بُني على شبكةٍ غير مرئية تربط الطاقة بالعملة، والتجارة بالسياسة، والاستقرار بالقوة.

تخيّلوا عالماً تُدفَع فيه أثمان السلع بلغةٍ واحدة، ثم تعود تلك اللغة إلى مصدرها لتغذّي اقتصاده، وتُموّل عجزه، وتُبقيه قادراً على الاستمرار. دائرةٌ تبدو طبيعية، لكنها في جوهرها معادلة دقيقة: العالم يشتري، ثم يُعيد ما دفعه في صورةٍ أخرى. وهنا يكمن السر، لا في الفعل نفسه، بل في استمراريته.

لكن كل نظامٍ يصل إلى ذروته يبدأ في كشف نقاط ضعفه. ومع كل محاولةٍ للخروج من هذه الدائرة، يظهر التوتر، ليس لأن الفعل بحد ذاته خطير، بل لأن سابقة الخروج أخطر. فالنظام لا يخشى الانهيار المفاجئ بقدر ما يخشى التآكل البطيء، ذلك النوع من التغير الذي يبدأ صغيراً، غير ملحوظ، ثم يتحول إلى مسارٍ لا يمكن عكسه.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول الممرات البحرية إلى أكثر من مجرد طرقٍ للتجارة، ولماذا تصبح المضائق عناوين صراع، ولماذا تُراقَب حركة الطاقة كما لو كانت نبض العالم ذاته. لأن السيطرة على التدفق تعني السيطرة على الإيقاع، ومن يضبط الإيقاع يحدد من يتقدم ومن يتأخر.

في هذا السياق، لا تبدو الأحداث المتفرقة متفرقة حقاً. كل ضغطٍ اقتصادي، كل تحركٍ عسكري، كل تصريحٍ محسوب، يشبه قطعةً في لوحةٍ أكبر. لوحة لا تُفهم بالنظر إلى جزءٍ منها، بل برؤية الصورة كاملة: صراع على من يكتب قواعد المرحلة القادمة.

لكن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذا الصراع لا يجري في فراغ. خلف الأرقام، هناك بشر. خلف الاستراتيجيات، هناك مدنٌ تُرهَق، واقتصاداتٌ تُستنزف، وأفرادٌ يدفعون الثمن دون أن يكونوا جزءاً من القرار. فكل ارتفاعٍ في سعر، كل اضطرابٍ في سوق، هو ترجمة يومية لهذه المعادلات الكبرى في حياة الناس العاديين.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل ما نشهده محاولة للحفاظ على نظامٍ قائم، أم ولادة نظامٍ جديد؟ وهل القوى الكبرى تسعى إلى الاستقرار فعلاً، أم إلى إعادة تعريفه بما يخدم مصالحها في مرحلة مختلفة من التاريخ؟

الجواب، على الأرجح، ليس أحادياً. فالعالم لا ينتقل من حالةٍ إلى أخرى بقرارٍ واحد، بل عبر توازناتٍ معقدة، وصراعاتٍ متداخلة، وصفقاتٍ لا تُعلن. وربما لهذا يبدو المشهد مرتبكاً: لأن ما يحدث ليس نهاية قصة، بل بداية فصلٍ جديد لم تتضح ملامحه بعد.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً، لا في تفاصيل الأحداث، بل في معناها: هل نحن أمام نظامٍ يدافع عن بقائه، أم أمام عالمٍ يعيد اكتشاف نفسه خارج القواعد القديمة؟ ذلك هو السؤال الذي سيحدد ليس فقط مسار هذه الأزمة، بل شكل السنوات القادمة كلها.


مشاهدات 85
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/04/18 - 4:25 PM
آخر تحديث 2026/04/19 - 3:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 129 الشهر 15581 الكلي 15233654
الوقت الآن
الأحد 2026/4/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير