الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين المقدس والمدنس

بواسطة azzaman

بين المقدس والمدنس

محمد حميد رشيد

 

بين المقدس والسياسي تكمن (العقيدة) فالعقيدة تصنع المقدسات وتفرضها على الواقع السياسي كما تحاول فرض قدسيتها على المجتمع من خلال كلمة (عقائدي) وأخطر ما في ذلك فرض ذلك على تنظيمات ومؤسسات يفترض أن تكون (مدنية) خاضعة لسلطة الدولة والقانون بينما (العقيدة) هي فوق الدولة وفوق القانون ولا تحكمها إلا العقيدة ذاتها لذلك أنكروا (الوطنية) بصفتها الركيزة الأساسية لأي بلد وأطلق (العقائديون) عليها تسمية (الوثنية) لأنها تحكم الناس بغير عقائدهم وأشاعت دولة العراق والشام (داعش) هذا المصطلح وأعلنت أنها تمثل (الدولة الإسلامية) وإن جيشها تبعاً لذلك يمثل (الجيش العقائدي) الذي يقاتل من أجل (الإسلام) ولا جيش شرعي سواه وإن (شرعية داعش) مستمدة من الإسلام ولا يعلوا عليها أحد تبعاً لذلك! ؛ دون أن تجد من يناقش (بديهيتهم)  بسؤال (وهل أستطاعت داعش فعلاً تأسيس "دولة" وهل توفرت أركان الدولة في الحيز الذي سيطرت عليه داعش؟ وخطورة (داعش) أنها كانت تتكلم بأسم الدين والعقيدة وبأسم كل مقدساته هكذا دون قناعة وبالفرض وبقوة السلاح وتسمي نفسها )دولة( وهي لا تمتلك مقومات الدولة و فشلت وفشل مشروعها لأن (الشرعية لا يمكن فرضها) عبر منظومة السلاح وعبر القوة وتبعاً لهذا لا قدسية من دون قناعة إيمانية فالعقيدة قناعة والقدسية إيمان ! . نظرية داعش (الدولة المقدسة) هذه تتبناها أغلب التنظيمات العقائدية (بغض النظر عن مبناها العقائدي أو الديني أو الطائفي) ونجد مثل هذا الطرح (العقائدي) يتداول هذا اليوم لتجريد (الدولة) ومؤسساتها وبالذات  جيشها (الوطني) من شرعيتها ويعطي (الحق) لتواجد (الجيوش العقائدية) بل لتقدمها وقدسيتها على (جيش الدولة) الرسمي وتتغول العقيدة على حساب الوطنية  ولما كان للدولة إلتزاماتها القانونية والدستورية والسياسية وكلها لا تحمل صفة (القداسة) كونها جميعها قوانيين وضعية قابلة للنقض والتغيير والتبديل وهي بهذا غير مقدسة بقدر كونها ملزمة لذا فلا يحق للدولة من خلال هذا المفهوم محاسبة التنظيمات العقائدية أو منعها من مزاولة نشاطها بل الدولة هي التي يفترض أن تنصاع للمقدس وللجيوش العقائدية التي تحمي الدين والمذهب ولها رؤاها العقائدية الدينية المقدمة على ما سواها !   

ومهما أختلفنا في فهم (مصطلح الدولة) فأن (الغاية من الدول) من الدولة هي تنظيم والرقي به وتطويره وإستثمار ثرواته البشرية والطبيعية ؛ وتبقى أركان الدولة هي (الشعب والإقليم والسلطة السياسية) وليس فيهم مقدس واحد ؛ بل لابد كم إستناد "السلطة" إلى (إرادة الإمة) المحكومة ورضاها بل أن (الأمة)هي صاحبة السلطة الفعلية التي تقتضي مصلحة الأمة وجودها بل يجب تضامن الأمة مع السلطة ضد كل ما يهددها من أخطار خارجية أو داخلية وتحقيق إستقلال الدولة وسيادتها على كل ما سواها من أجل مصلحة الأمة والسلطة السياسية للأمة سلطة قاهرة تحتكر كل مصادر القوة وبكل أصنافها (القانونية والإدارية والمالية والعسكرية)وأي تغول على سلطة الدولة يؤدي إلى (الفوضى) والغاء مفهوم الدولة مهما تبرقع ذلك بزي الديمقراطية أو تحت مظلة الدستور والأغلبية الحزبية أو البرلمانية وكلها محاولات لإبتلاع الدولة أو التجاوز على سلطاتها أو تهميشها ومن ثم القضاء عليها أو تحجيمها وتحجيم صلاحياتها! وقد يؤدي ذلك فيما يؤدي إلى تعدد مراكز القوى وصراعها فيما بينها

لذا علينا أن نتوقع وقوع  كارثة الصدام المسلح بين الشرعية الدينية وتنظيماتها المقدسة  والشرعية السياسية وتنظيماتها الإدارية و بين شرعية الدولة وشرعية المنظمة بين شرعية القانون وشرعية العقيدة. وبين الدولة والعقيدة صراع الأسبقية فغاية العقيدة الوصول إلى الدولة وتهجينها ؛ والعقيدة تمهد لقيام الدولة وليس العكس ومن الخطاء ممارسة صلاحية الدولة قبل أوانها تَدرُج والدولة يجب أن تمر بمراحل نضج ؛ وتجاوز الدولة تعني الذهاب الى الفوضى خصوصاً (الدولة العقائدية) تحتاج إلى تحضيرات و(تدرج عقائدي) وحل لكثير من المشاكل والتحديات الحضارية كما تحتاج إلى تدرج إنتقالي قانوني من القوانيين الوضعية إلى القوانيين العقائدية وإلا فستواجه الكثير من المشاكل الفقهية والخلافات العقائدية. أما في حالة أن يسبق السلوك العقائدي الدولة ويتجاوز عليها فهذا يعني تحدي الدولة ولن يكون أمامها سوى الدخول في صدام مباشر بين الدولة واجهزتها وبين المليشيات والاحزاب العقائدية وادخال الدولة في صراع (عقائدي) . ولا سبيل لسيادة الدولة وهيبتها وحكم القانون وتحقيق العدالة إلا بخضوع الجميع للدولة وسيادة القانون بموجب العقد الإجتماعي الذي يفرض الدولة والقانون على الجميع وتتحقق شرعية السلطة والدولة والقانون على أساس اتفاق ضمني أو صريح بين الأفراد، حيث يتنازل الناس عن بعض حرياتهم مقابل حماية حقوقهم الأساسية وضمان النظام وتحقيق العدالة والأمان للجميع دون إستثناء أو تمييز

وبهذا تكون السيادة والقوة للدولة التي رضي بها الشعب وأقتنع بعدالتها ونزاهتها وسلمها مقاليد السلطة والقوة والقرار فلا سلاح إلا سلاح الدولة فقط ولا محاكم إلا محاكم الدولة والكل يخضع لقانون الدولة الواحد الذي يسري على الجميع بمنتهى العدالة ودون أي تميز أو تفرقة على أساس العقيدة أو اللون أو الجنس أو الثقافة . والدولة هي التي تكفل حرية أعتناف العقيدة وممارسة شعائرها والحريات العامة والخاصة والحريات القومية وممارساتها الثقافية والاجتماعية دون أي مساس بحريات الآخرين وممارساتهم بموجب القوانيين والأنظمة المنظمة لذلك .

ولكن حينما تنعدم الدولة أو تضعف وحين تتعدد السلطات وتتنازع تكون الفوضى وتشوه العقائد ويتدنس المقدس ثم ينهار حطام الدولة ويحترق الجميع وتبداء النهاية!

 


مشاهدات 77
الكاتب محمد حميد رشيد
أضيف 2026/04/18 - 5:54 AM
آخر تحديث 2026/04/18 - 10:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 369 الشهر 14873 الكلي 15232946
الوقت الآن
السبت 2026/4/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير