تجارة الأحذية كثر ربحاً من رسائل الحب
رواية (سنابل الوجد) القصيرة جدا للروائي الاستاذ ضاري الغضبان
حميد الحريزي
هل رواية (سنابل الوجد ) رواية قصيرة جدا ؟؟ ولماذ؟؟
الرواية القصيرة جدا هذا النوع المبتكر عراقيا تجنيسا ، له سمات واشتراطات تميزه عن انواع جنس الرواية الاخرى ، كالرواية الطويلة والرواية القصيرة ، والمثبتة في كتابنا النقدي ( الرواية القصيرة جدا اضاءات نقدية ) اصدار دار رؤى للطباعة والنشر في 20205.
من هذه الاشتراطات، الاختزال والتكثيف ،السرد المضمر واستبطان المؤلف الثاني ،ماقل ودل ،الرمزية والتلميح بدل الافصاح والتصريح ...
فهل استوفت رواية(سنابل الوجد) لضاري الغضبان هذه الاشتراطات والمواصفات للرواية القصيرة جدا؟؟
فاولا لم تتجاوز الرواية الحد الاعلى للكلمات المفترض 5000 كلمة حيث بلغت عدد كلماتها 4423 كلمة فقط .
وقد تميز السرد الروائي بالتكثيف والاختزال كما هو واضح من عدد الكلمات ،كذلك اضمرت الرواية نصا مضمرا القي على عاتق المؤلف الثاني المتلقي حيث قد يوسع السرد في مخيلته من حيث التوصيف والتعريف ليتجاوز حجم رواية قصيرة أو رواية طويلة وحسب مايستبطنه من خزين لغوي وثقافي وسعة مخيلة ، ونلاحظا ايضا اختزال المعنى بالترميز والتلميح بدلا من التصريح ، مع كل ذلك حافظ وبدقة عالية على اشتراطات الرواية من حيث تعدد الشخصيات ، والحوارات ، وتبدل المكان والزمان كماسنرى ذلك من خلال استعراض الرواية وفك رموزها ، ودلالاتها وتلميحاتها الثرية بالمعنى استجابة مقولة تجويع اللفظ واشباع المعنى ... فقد انتجت (سنابل الوجد) الرشيقة بيدراكبيرا من حبوب المعنى.
فالروائي الاستاذ (ضاري الغضبان)لم يسهب في توصيف وتعريف شخصياته الروائية ، فوصف الشخصية الرئيسية في الرواية ب(الشاعر) البائس الفقير ولم يهتم الى مواصفاته الجسدية كاللون والطول وشكل الشعر والعيون...الخ ، ولا الى توصيفات شكل ونوع ملابسه ، ولا حركاته كما هو الحال في الروايات الطويلة وحتى القصيرة كما هو معتاد، وهذا ما حصل مع بقية شخصيات الرواية كالمليار ديرة الجميلة، ولا شخصيات حبيباته السبع، ولا مواصفات وشكل والده ووالدته ، وجدته ،مع انه خصب السرد بشعرية واضحة ليكون السرد ممتعا ، وقريبا من روح المتلقي.كما انه اختزل الحوار بين الشاعر وبين الشخصيات الثانوية دون الأطالة، ولم يهتم كثيرا بتوصيف وتعريف اماكن زياراته ولقائاته...فالرواية القصيرة جدا هي رواية وامضة وليست قابضة ...
الرمز ودلالات الشخصيات في الرواية :-
وصف الروائي بطل الرواية بالشاعر والدال الى الشخصية الحالمة واسعة الخيال ، الحالمة ، الرقيقة ، المتطلعة نحو عالم الرفاه والجمال والحب حيث يرى أن الابداع هو الثراء الحقيقي، سيرسم المتلقي في مخيلته توصيفات هذه الشخصية وابعادها النفسية ويقارنها بما لديه من مخزون ثقافي حول شعراء يعرفهم من خلال المعاشرة أو القراءة فيسيح في عالم واسع من الشعراءكما عرفهم...
كما وصف المرأة الثرية الجميلة بتاجرة جلود و أحذية ، حقائب يد، وتركت للمؤلف الثاني تصور وتوصيفات الجلود ومصادرها واشكالها وقيمتها ، وكذلك اشكال ومواصفات وقيم الاحذية والحقائب واماكن وطرق صناعتها التي يمكن ان تشغل صفحات عديدة في بقية أجناس الرواية ن وعميليات الربح وجمع الاموال وهو كقياس الثروة الحقيقية لدى التجار لا كما هو الحال عند الشعراء والادباء بشكل عام ...
تؤشر سيرة حياة والد الشاعر واجداده بانه قد ورث صفاتهم في تعدد علاقاته الغرامية ((جدك كان أشهر زير نساء)) رص54، وتبدل وتجدد حبيباتهم بين حين واخر ، حيث ورد هذا التوصيف عبر جمل وكلمات قليلة دون الاسهاب في ذكر التفاصيل ...
مسيرة البحث عن الرسائل الغرامية :-
تنفيذا لطلب المليارديره الجميلة لزواجه بمليونيرة ، انشغل الشاعر في البحث عن حبيباته السبع من خلال عناوين تواجدهن الذي زودته به المليارديره الثرية ، سعيا لاسترداد رسائله الغرامية من كل واحدة منهن ، المعلمه ، الطبيبة البيطرية ، المودعة في مشفى الامراض العقلية والعرافة ، ربت البيت... وقدفشل في أغلب الحالات من الحصول على هذه الرسائل بعد سنوات القطيعة والفراق عن كل منهن ، بين من احرقتها، او رمتها في بئر ، أو مزقتها او انها اصبحت في جوف حمار...الخ وقد وثق شهادة كل منهن عبر جهاز تسجيل كان معه في كل زيارة ...وانشغاله الكامل بعملية البحث هذه ((مما جعله خبيرا في شؤون الغرام حتى انهاحس بتقرب سكرتيرة شقراء منه ، بحجة الحب، اهملها بخبرة عاشق عبر ثلاثة عقود من التقلب بين السمراوات والشقراوات ، بين الحنطيات والبيضاوات ، نجح حيث لم ينجح من ذي قبل ، واصبح مثار اعجاب الثرية الجميلة التي طلقت الحب والزواج من أجل عيون المال المتدفق من وحي الأحذية الفاخرة )) وطبعا ليس من وحي الشعر!!!!
حاول الهرب من تاريخ رجال العائلة ، وشعوره بالتعب والدونية وكيف أصبح طوع الثرية تحركه وتوجهه الى حيث تشاء ، وحينما عبر لها عن استيائه من هذا الحال ، وطلب منها ان تكون زوجته ، فلا حاجة له بالمال ولا السيارة فقابلته بالرفض قائلة :-
((لامجال للكلام في هكذا امر قبل أن تجمع كل رسائل حبك للسبع)) ص55 وعند رفضه سلمته منحته وطلبت منه المغادرة .
يعود الى بيت اهله ، شبه الفارغ بعد زواج الاخوات ورحيل الأخ للدراسة ، وهرم الأب الذي ينصحه قائلا :-
(( متى تستخدم عقلك مثل الاخرين وتكلف امك بان تخطب لك زوجة ؟)) رص58.كما هوالسائد التقليدي.
وبعد مدة اصابه الملل واشرف على الافلاس والتشرد، قرر العودة الى الثرية مقررا العودة الى اكمال مهمته وتحقيق شرطها للزواج منها (( ودون نقاش زائد رفع مفتاح تشغيل السيارة الفارهة ، وخرج ليكمل مارثون البحث عن تلك الرسائل التي كان قد كتبها بخط يدة )) ص60.
فوجيء بان الحبيبة السادسة قد فارقت الحياة بحادث سيارة ، وكانت شقيقتها هي مديرة محل بيع العطور، وان رسائله الان عند عشيقته السابعة .
توجه نحو السابعة والأصغر سنا منهن جميعا الشاعرة نصف المجنونة والتي تركها قبل ثلاث سنين وقد كان يكاتبها بالخط الكوفي ، ولكن ما أصابه بالدهشة وقوف سيارة الثرية في المدخل المؤدي للسابعة ، البيت التراثي المتجدد، وسماع صوت الموشحات الاندلسية ، وقد وجد العديد من الشباب والشابات ((يدورون ويتفرجون على لوحات ما ، توجه نحو اقربها ، فوجدها صورة مكبرة لاحدى رسائل حبه التي كان قد كتبها بنفسه ولا يدري لمن)) ص66.وقد لاحظ مرشدة تعرف الشباب باللوحات رسائله الى حبيباته، وسط ذهول السياح والمعجبين بهذه الرسائل ويرغبون بالشراء بمبالغ محترمة ، اعجابا وانبهارا برسائل هذا الشاعر العاشق المجهول ... فيصاب بالدهشة محاولا الصراخ وتنبيه الحضور بانه هو هذا الشاعر كاتب هذه الرسائل، حتى عرفتهم به الثرية ، فتجمع الشباب حوله للكلام واخذ الصور، حين اكتظ المعجبون حول مكتب البيع لشراء اللوحات من السابعة ((وهي تنظر له بمغزى عجز عن تفسيره))ص70.
((ترك امر مكتب والسابعة ، وتوجه للسيدة الثرية المرحة ... وطلب الخروج معها لعقد القران ، فتبسمت وطلبت منه اعادة عبارتها التي دعته من خلالها للبحث عن رسائل العشسقات السبع، فذكرها بوعدها بالاقتران رسميا مع مليونيره)) ص70.
فتتبسمت في وجهه رافضة طلبه كونها هي مليارديره وليست مليونيره وعليه الذهاب الى السابعة فهي تحبه اولا وهي الان مليونيره !!
بهذالمشهد يختتم روايته ، موضحا كيف ان تجارة الجلود والاحذية تجلب المليارات ليس كما هو الشعر ورسائل الحب التي لاتهم الناس الا بعد فوات الاوان وتصبح شهادات حب مندثر .
الرواية التي حملت العديد من الرسائل والحكم ومنها فشل الكثير من رغبات الحب الحر في مجتمع مشبع بالتقليد وعدم التجديد يفتقد الى ظروف الخيار الحر في الحياة الخاصة والعامة،حيث كاتب الثرية وكتب لهارسائله بالخط الحر ، وليس باشكال الخط العربي المعروفة كالكوفي والديواني ... ، ومدى سطوة المال واثره في حياة الناس ، أمتلاء الجيب بالمال هو الأكثر فعلا وجذابية من امتلاء الروح بالجمال...
في الختام نقول ان الاستاذ القدير غضبان الضاري تمكن من كتابة الرواية القصيرة جدا بكفاءة عالية مستجيبا لكل اشتراطاتها لتستحق هذا التوصيف والتعريف .
رواية (سنابل الوجد) الرواية الفائزة بالمرتبة الاولى في المسابقة الوطنية الاولى للروايةالقصيرةجدا في العراق عام 2025، وقد صدرت عن دار رؤى للطباعة والنشر 2026 مع مقدمة للدار بقلم الدكتور جليل الزهيري صاحب ومدير الدار.