معضلة الخلافة في إيران.. من روح الثورة إلى حسابات الدولة
عطا شمیراني
منذ سنوات، يتكرر الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية والدولية عن احتمال انتقال موقع القيادة العليا في إيران من المرشد الراحل، علي خامنئي، إلى نجله مجتبى خامنئي. ورغم أن الدستور الإيراني لا ينص على وراثة السلطة، وأن منصب المرشد الأعلى يُفترض أن يُحسم عبر مجلس خبراء القيادة، فإن بروز اسم مجتبى في هذا السياق يعكس جملة من العوامل السياسية والمؤسسية داخل بنية النظام الإيراني.
أول هذه العوامل يتمثل في طبيعة النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية، حيث تتداخل السلطة الدينية مع النفوذ الأمني والعسكري. فمنذ قيام الثورة الإيرانية، بُني النظام على فكرة “ولاية الفقيه” التي تمنح المرشد الأعلى سلطة واسعة تتجاوز المؤسسات المنتخبة. وخلال العقود الثلاثة الماضية، نجح المرشد الحالي في بناء شبكة معقدة من العلاقات داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً داخل الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة به. ويُعتقد أن مجتبى خامنئي كان جزءاً من هذه الشبكة، حيث تشير تقارير عديدة إلى أنه لعب أدواراً غير رسمية في التنسيق بين بعض مراكز القوة داخل النظام، الأمر الذي منحه علاقات وثيقة مع شخصيات نافذة.
نظام ايراني
العامل الثاني يرتبط بمعادلة الاستمرارية والاستقرار التي تسعى إليها النخبة الحاكمة. فالنظام الإيراني واجه خلال السنوات الأخيرة تحديات داخلية وخارجية كبيرة، بدءاً من العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية، وصولاً إلى الاحتجاجات الشعبية المتكررة. في مثل هذه الظروف، تميل الأنظمة السياسية ذات الطابع المغلق إلى البحث عن شخصية تضمن استمرار التوازنات القائمة داخل مؤسسات الحكم. ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن طرح اسم مجتبى خامنئي قد يكون محاولة للحفاظ على الخط السياسي الذي ترسخ خلال عهد والده، بدلاً من فتح الباب أمام صراع داخلي بين التيارات المختلفة داخل النظام. كما أن شخصية مجتبى خامنئي ظلت، طوال سنوات، بعيدة نسبياً عن الأضواء الرسمية، إلا أن تأثيره داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية كان محل حديث متكرر في التحليلات السياسية. فقد ارتبط اسمه في بعض التقارير بدوره في إدارة علاقات مع شخصيات نافذة في المؤسسة الدينية والعسكرية، وهو ما منحه نوعاً من النفوذ غير المعلن. وفي الأنظمة السياسية التي تتشابك فيها السلطة الرسمية مع شبكات النفوذ غير الرسمية، يمكن لمثل هذا الدور أن يصبح عاملاً مهماً في أي معادلة تتعلق بانتقال السلطة.
أما العامل الثالث فيتعلق بالدور الذي يلعبه مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدستورية المسؤولة عن اختيار المرشد الأعلى. ورغم أن المجلس يمتلك نظرياً سلطة اختيار أي فقيه تتوافر فيه الشروط الدستورية، فإن الواقع السياسي الإيراني يُظهر أن قراراته غالباً ما تتأثر بتوازنات القوى داخل المؤسسة الدينية والأمنية. لذلك، فإن أي مرشح محتمل يحتاج إلى دعم ضمني من هذه المؤسسات، وهو ما يُعتقد أن مجتبى خامنئي يسعى إلى بنائه منذ سنوات من خلال شبكة علاقات داخلية مع رجال الدين ومراكز النفوذ.
اوساط دينية
مع ذلك، لا يخلو هذا السيناريو من تحديات جدية. ففكرة انتقال القيادة من الأب إلى الابن قد تُثير انتقادات داخل بعض الأوساط الدينية والسياسية، لأنها قد تُفسَّر على أنها تحول غير معلن نحو نمط من “التوريث السياسي”. مثل هذا التصور قد يتعارض مع الخطاب الثوري الذي تأسست عليه الجمهورية الإسلامية، والذي قدّم نفسه بوصفه بديلاً عن الأنظمة الملكية التي قامت الثورة ضدها. ولذلك فإن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تُواجه بحساسيات سياسية وفكرية داخل المجتمع الإيراني نفسه. إضافة إلى ذلك، هناك شخصيات دينية وسياسية أخرى تمتلك خبرة طويلة ومكانة داخل الحوزات العلمية ومؤسسات الدولة، وهو ما يجعل مسألة الخلافة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. فالنظام الإيراني لا يقوم على مركز قوة واحد، بل على شبكة متعددة من المؤسسات والتيارات، بما في ذلك المؤسسة الدينية، والمؤسسة العسكرية، والتيارات السياسية المختلفة داخل النظام.
في النهاية، يبقى اسم مجتبى خامنئي واحداً من عدة أسماء تُطرح في سياق التكهنات حول مستقبل القيادة في إيران. لكن الأهم من الشخص نفسه هو طبيعة النظام السياسي الإيراني، الذي تُحدَّد فيه موازين السلطة عبر شبكة معقدة من المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية. ولذلك فإن مسألة الخلافة لن تكون مجرد اختيار فرد، بل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة النظام على إدارة انتقال السلطة بطريقة تحافظ على توازناته الداخلية وتجنّب البلاد الدخول في مرحلة من الصراع السياسي داخل النخبة الحاكمة!