العراق يواجه حروب الأسواق المسلّحة.. وطأة الجغرافيا العقابية وإعادة تسعير الأوطان
كاظم نزار الركابي
حينما تندلع الحروب، متجاوزة خطوط التماس التقليدية المتمثلة بالحوار الحاد والتهديدالت المباشرة، يعمد الخصم القوى او الأقوى الى تفتيت عقيدة الآخر، بالهجوم السريع والخاطف في ضرب الدفاعات والأعماق الستراتيجية لعدوه، بغية الحفاظ على ديمومة الأسبقية في تنفيذ خطط معدة مسبقا، وكما حدث في صبيحة الثامن والعشرين من شباط المنصرم.
هذا الأمر خطير من دون شك، غير ان الخطر الحقيقي والأكبر، لا يتجلى في دوي الانفجارات وحجم الركام في الساعات الأولى، وانما يكمن في “موجات الارتداد” الصامتة التي تعقب تلك الساعات.
الكل اليوم أمام تحول كوني بالغ الخطورة، يتجاوز فكرة “الردع العسكري” المتبادل، ليؤسس لمرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ”إعادة هندسة الخراب”. في هذه المرحلة، تتضاءل او تضمحل قواعد الاشتباك القديمة كلياً، وتنبثق آليات متوحشة تعيد تشكيل الاقتصاديات، تطيح بالأنظمة الهشة، وتعيد رسم خرائط النفوذ العالمي بقوة الحديد، والنار، وحصار الأسواق.
وعلى الرغم من عتو هذا الزلزال الجيوسياسي، يقف العراق، المبتلى أصلاً بـ”انسداد سريري” مزمن في مفاصله، أمام استحقاقات لا ترحم. تجاوز التحدي، ومسألة تجنيب البلاد ويلات القصف المباشر، ليفرض سؤالاً وجودياً مرعباً: كيف سينجو كيان سياسي، فاقد للمناعة الذاتية، وعاجز عن إدارة أبسط أزماته الداخلية، من تداعيات حرب باتت تستخدم الاقتصاد والعملات وسلاسل التوريد كأسلحة دمار شامل؟
العولمة المرتدة.. وعسكرة الأسواق
لفهم حجم الكارثة المحدقة بنا، ينبغي توسيع أفق الرؤية إلى ما وراء الإقليم. العالم بأسره يمر اليوم بحالة من “العولمة المرتدة”؛ فبعد عقود من الانفتاح الاقتصادي واعتماد الدول على بعضها البعض، أدت شرارة الحرب في الشرق الأوسط إلى تمزيق سلاسل الإمداد العالمية. العالم يعيد التمترس خلف حدود أمنه القومي، وتتحول الممرات المائية الحيوية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، من شرايين للتجارة الحرة إلى “خنادق جيوسياسية” تتحكم بها الإرادات العسكرية.
دخلنا رسمياً عصر “الأسواق المسلحة”. النفط والغاز فقدا صفتيهما كسلع تخضع لقانون العرض والطلب، ليتحولا إلى ذخيرة حية في المعركة. وفي هذا السياق، تفعّل الإدارة الأمريكية وحلفاؤها ستراتيجية “الخنق المالي الشامل”، المعتمدة على تجفيف منابع تمويل الخصوم عبر حصار تقني ومصرفي صارم، ورفع بوالص التأمين على الملاحة إلى أرقام فلكية. هذه الإجراءات تعني إشعال فتيل تضخم عالمي غير مسبوق في أسعار الطاقة والغذاء والدواء. وتداعيات هذه العسكرة الاقتصادية ستطحن في طريقها الدول ذات “الاقتصاديات المكشوفة” التي لا تمتلك مصدات أمن غذائي أو صناديق سيادية ضخمة، وفي مقدمتها العراق.
الجغرافية العقابية.. وإعادة تسعير الأوطان
تاريخياً، شكل موقع العراق الجغرافي هبة حضارية وميزة تفضيلية نادرة. أما اليوم، وفي ظل هذه الحرب المفتوحة، تحولت هذه الجغرافيا إلى “جغرافية عقابية”. العراق بات يمثل منطقة “الرخاوة الستراتيجية” التي تتلقى الضربات الارتدادية لكل الأطراف المتصارعة دون امتلاك حائط صد.
في علم الستراتيجيا الحديث، وفي بورصة النظام العالمي الجديد، تهاوت معايير قياس أهمية الدول المعتمدة على المساحة أو الإرث التاريخي. نحن نشهد عملية “إعادة تسعير للأوطان”؛ فالدولة التي تملك قراراً مركزياً واقتصاداً مرناً وقدرة على إنتاج غذائها وحماية حدودها، يرتفع “سعرها” الجيوسياسي وتُحترم سيادتها. وفي المقابل، فإن الكيانات التي تستورد طعامها، وسلاحها، وتعاني من تشظي القرار وخضوع إرادتها لولاءات متقاطعة، تُصنف فوراً كـ“ساحات خردة سياسية”. هذه الساحات تُستباح أراضيها، تُصادر قراراتها، وتُستخدم كدروع بشرية أو مسارح رخيصة لتصفية الحسابات.
إن “الانسداد السريري” الذي يتلبس النظام السياسي العراقي، أحال البلاد إلى منصة مكشوفة تفتقر لأدنى مقومات الدفاع. نحن أمام دولة عاجزة عن حماية أجوائها من الانتهاك، ومفتقرة للقدرة على ضبط إيقاع السلاح داخل حدودها. هذا الوضع يرسخ العراق في تصنيف “الجغرافية العقابية” بامتياز، إذ يدفع المواطن العراقي ضريبة دموية واقتصادية لحرب لم يختر توقيتها، ولم يشارك في صياغة أهدافها.
تقادم العقل السياسي.. والعمى الستراتيجي
المفارقة الأكثر قسوة في المشهد العراقي الحالي، تتجسد في حالة الانفصام التام بين جسامة التحديات الخارجية، وطبيعة التفكير السائدة لدى النخبة الحاكمة. ففي حين تعلن كبريات دول العالم حالة طوارئ صامتة لتأمين مخزوناتها الستراتيجية من القمح والطاقة، وتهيئة جيوشها واقتصاداتها لحرب استنزاف طويلة الأمد، يغرق العقل السياسي العراقي في “عمى ستراتيجي” مطبق.
تواصل القوى السياسية، في خضم هذا الزلزال، ممارسة طقوسها العبثية المعتادة: صراعات مريرة في بازار المحاصصة على مناصب تنفيذية، تصفية حسابات ضيقة، وتوزيع لمغانم موازنة باتت مهددة بالانهيار الفوري. هذا التقادم المريع في بنية التفكير السياسي يثبت عجز الطبقة الحاكمة عن إدراك حقيقة زوال قواعد اللعبة التي أوصلتها إلى السلطة وحمتها طوال عقدين، فهذه الطبقة، باتت تدير دولة تواجه إعصاراً، بمنطق “شيخ القبيلة” الذي ينحصر تفكيره في آلية توزيع الغنائم على أتباعه، متوهماً أن العواصف الإقليمية ستتوقف عند أسوار المنطقة الخضراء. هذا العجز البنيوي عن استيعاب متغيرات المرحلة، كفيل بتحويل “الانسداد السريري” من أزمة حكم، إلى كارثة سقوط مدوٍ لمقومات الدولة بأكملها.
كلفة الحرب على “الرغيف”.. من العقد الاجتماعي إلى “عقد البقاء”
بعيداً عن التنظير الجيوسياسي، تتضح الكارثة في الانعكاس المباشر على الأرض، إذ ستضرب آثار هذه الحرب العصب الحساس للمواطن العراقي: الاقتصاد اليومي. العراق دولة ريعية استهلاكية بامتياز، تستورد أكثر من ثمانين بالمئة من احتياجاتها الأساسية (من حبة القمح وحتى الدواء)، وتعتمد بنحو شبه كلي على ممر بحري واحد لتصدير نفطها، وعلى الفيدرالي الأمريكي لتحويل أموالها.
مع تصاعد وتيرة الحرب، واحتمالية استهداف البنى التحتية للطاقة في المنطقة، أو فرض إغلاقات قسرية للممرات المائية، أو تفعيل سيف العقوبات الاقتصادية الغربية على أية جهة داخلية، سنكون أمام “صدمة توريد مميتة”.
ارتفاع كلف الشحن، وتهاوي القدرة الشرائية للعملة الوطنية، سيولدان تضخماً منفلتاً يحرق ما تبقى من الطبقة الوسطى، ويسحق الطبقات الفقيرة. هنا تسقط كل الشعارات الأيديولوجية والسياسية، وتتلاشى المطالب الدستورية أو الانتخابية، لتتدحرج بسرعة مرعبة نحو مرحلة “عقد البقاء”.
عندما تعجز الدولة، المصابة بالشلل السريري، عن توفير رغيف الخبز أو تأمين الرواتب التي تعيش عليها ملايين العوائل، فإن خروج الشارع سيفقد طابعه السلمي والمطلبي، لينفجر في “طوفان جياع” يأكل الأخضر واليابس، ويدك ما تبقى من هياكل السلطة المهترئة.
ما بعد العاصفة.. لا مكان للمقاعد الشاغرة
الجميع باتوا اليوم، أمام لحظة مكاشفة قاسية ترفض المجاملة أو التخدير الموضعي. الحرب الإقليمية والدولية الدائرة الآن تتجاوز كونها زوبعة عابرة قابلة للتسوية الشكلية؛ إنها مخاض دموي لولادة نظام شرق أوسطي جديد. وفي هذا النظام المقبل، تنعدم المساحة المخصصة للكيانات المترددة، أو للدول المصابة بالشلل او الانسداد «السريري»، المنتظرة لمن يقرر مصيرها نيابة عنها.
الخيارات ضاقت إلى حد الخنق. إما حدوث “معجزة” استفاقة وطنية داخلية (وهو أمر يبدو عصياً على عقلية الأوليغارشية الحاكمة)، تتشكل عبرها قيادة أزمة حقيقية تحتكر السلاح والقرار وتعلن حالة الطوارئ الاقتصادية القصوى لدرء العاصفة؛ وإما أن يُترك العراق ليواجه قدره كـ “جغرافية عقابية”، تُنتهك سيادته، ويجوع شعبه، ويتحول إلى حطب رخيص في موقد حرب عالمية تعيد تسعير الأوطان وتوزع الخرائط على المنتصرين. الزمن يمر، وصوت المدافع يقترب، فيما تتنتظر وتترقب سلطة البلاد، معجزة الشفاء في غرفة الإنعاش، متناسية أن المستشفى بأكمله مهدد بالانهيار.