الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإنسداد السريري.. صبيحة كسر العظم لإعادة هندسة المنطقة

بواسطة azzaman

الإنسداد السريري.. صبيحة كسر العظم لإعادة هندسة المنطقة

كاظم نزار الركابي

 

في مسار التاريخ السياسي للأمم، تحدث لحظات فارقة تصنع “نقاط اللاعودة”، هذه اللحظات المفصلية هي التي تتقاطع فيها أزمات الداخل المستعصية مع زلازل الخارج المدمرة.

ما شهدته المنطقة في التاسعة من صبيحة السبت (28 شباط)، من ضربات أمريكية وإسرائيلية مفتوحة، وُجهت بنحو مباشر إلى العمق الإيراني، يتجاوز كونه تصعيداً عسكرياً عابراً في سياق “قواعد الاشتباك” المعهودة، ويعلن بنحو رسمي انتهاء عصر “المنطقة الرمادية” وحروب الوكالة، وبدء مرحلة “كسر العظم” التي تباشر إعادة هندسة أمن منطقة الشرق الأوسط، وتطويع الإرادات بالحديد والنار.

في قلب عين العاصفة هذه، يقف العراق؛ ليس بوصفه دولة ذات مناعة سيادية، لكن ككيان سياسي يعيش حالة من “الانسداد السريري” (كما أشرنا في مقالنا الافتتاحي)، جعلت آلياته تتنفس عبر أجهزة إنعاش خارجية، وسط مؤسسات عاجزة عن إنتاج حلول لأبسط أزماتها الداخلية. فكيف لهذه البنية الهشة أن تواجه إعصاراً إقليمياً سيقتلع كل ما بُني على التوافقات القلقة؟

نهاية “التوازن المخادع” والخيارات الصفرية

طوال العقدين الماضيين، اقتاتت نخب النظام السياسي العراقي على ما يمكن تسميته بـ “التخادم الضمني” أو التوازن الدقيق بين الإرادتين الأمريكية والإيرانية. كانت الطبقة السياسية في بغداد تلعب ببراعة على حبال المساحة الفاصلة بين واشنطن وطهران؛ تبتسم للغرب طمعاً في شريان الدولار المستدام والحماية الدولية، وتتخندق مع الشرق بحكم الارتباط العقائدي والمصلحي والجغرافي.

هذا “الحياد المخادع” كان صمام الأمان الذي أطال عمر الأوليغارشية الحاكمة في البلاد. لكن صواريخ صبيحة السبت نسفت هذه المساحة تماماً، وأحالتها إلى رماد. أمريكا وإسرائيل قررتا تفكيك ما يُعرف بـ “محور الممانعة” وتقليم أظافره، وإيران تجد نفسها أمام حتمية الرد للحفاظ على مشروعها وهيبتها الستراتيجية. في هذا الصراع الصفري المفتوح، سقطت نظرية “العراق كصندوق بريد”، ولم يعد هناك متسع لسياسة “مسك العصا من المنتصف”، بل باتت الساحة تفرض خيارات حاسمة وقاسية.

شيفرة “باراك” في الغرف المغلقة.. إنذار لا تفاوض

التزامن المريب بين اشتعال سماء الإقليم بالصواريخ، والحراك الدبلوماسي الأمريكي العنيف في بغداد، ليس صدفة عابرة. الزيارة الأخيرة للمبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، ولقاءاته العاصفة التي تُوجت بالاجتماع مع رئيس ائتلاف دولة القانون السيد نوري المالكي، تمثل انتقالاً نوعياً في المقاربة الأمريكية للعراق، من مربع “الاحتواء” إلى مربع “الردع الخشن”.

وفقاً لمعطيات المشهد، وما رشح من تسريبات موثوقة، فإن باراك لم يأتِ إلى بغداد لـ “يتفاوض”، بل جاء حاملاً رسائل صارمة (مكتوبة وشفهية) من الإدارة الترامبية الجديدة، تضع خطوطاً حمراء لا تقبل التأويل. الفحوى الواضحة لهذه الرسائل تتلخص بـ “الفيتو” الأمريكي القاطع على عودة أية شخصيات تمثل، من وجهة نظر واشنطن، امتداداً للنفوذ الإيراني، إلى رأس السلطة التنفيذية أو مفاصل القرار الأمني والمالي.

الرسالة الأمريكية تتجاوز الشأن الانتخابي الداخلي لتصل إلى مستوى التهديد المباشر بفرض “المقصلة الاقتصادية” وإعادة النظر في مجمل الالتزامات الأمريكية تجاه العراق، إذا ما مضى “الإطار التنسيقي” في خياراته متدثراً بتحدي الإرادة الدولية. وفي المقابل، فإن التمسك بـ “السيادة الوطنية” ورفض الإملاءات الخارجية، يضع المشهد السياسي العراقي أمام لحظة صدام مرعبة مع القوة العظمى الوحيدة المتحكمة بشرايين الاقتصاد العراقي. إنها لحظة ارتطام شعارات التحدي بحائط “الدولار” الصلب.

تقاطع الانسداد مع العاصفة.. تشريح العجز

المأساة الحقيقية لا تكمن في قسوة الإنذار الخارجي فحسب، لكن تتجلى في هشاشة البيت الداخلي الذي يتلقى هذا الإنذار. تأتي هذه العاصفة الإقليمية الكبرى، والنظام العراقي يمر بأسوأ مراحل “انسداده السريري”. البيوتات السياسية متصدعة ولا تملك قراراً مركزياً موحداً: بيت سني مشتت يبحث عن زعامة مفقودة وسط صراع حاد على المقاولات والمناصب، وبيت كردي منقسم على نفسه في حرب باردة أضعفت موقفه التفاوضي في بغداد، وبيت شيعي حاكم يعاني من أزمة انقسام عميقة حول شكل الحكومة القادمة، وتنافس محموم على الوراثة السياسية، وفقدان للبوصلة الستراتيجية الموحدة في التعاطي مع عواصف الخارج.

عندما تواجه الدول كوارث خارجية وتهديدات بفرض عقوبات خانقة، تلجأ عادة إلى تحصين جبهتها الداخلية عبر تشكيل حكومات إنقاذ وطني، والاعتماد على اقتصاد منتج ومتماسك. لكن، كيف يمكن لنظام عجز عن حسم اختيار رئيس لمجلس النواب لأشهر طويلة، ويعتمد بنسبة تزيد عن 90 بالمئة على واردات النفط التي تمر وجوباً عبر الفيدرالي الأمريكي، أن يصمد في وجه هذه العاصفة؟

الطبقة السياسية التي استهلكت شرعيتها في تقاسم المغانم، واستنزفت موازنة البلاد في تضخيم جيوش الموظفين لشراء الولاءات المؤقتة بدلاً من بناء مصانع وزراعة تحمي أمن البلد الغذائي، تجد نفسها اليوم “عارية” تماماً وبلا أي غطاء ستراتيجي.

سحب “أجهزة الإنعاش” وفوضى المجهول

الإدارة الأمريكية بعهدها الجديد، تضع الساسة في بغداد أمام التحذير الأخير: إما الانخراط في مشروع “إعادة هندسة المنطقة” والانصياع لشروط “الاستقرار القسري” وفك الارتباط بمسارح الصراع الإقليمية، أو تحمل تبعات العزلة الشاملة.

إذا ما قررت واشنطن أن “الانسداد العراقي” بات يشكل عقبة أمام رؤيتها للمنطقة، فإنها لن تحتاج لإرسال جيوش أو بوارج لإسقاط النظام؛ يكفيها فقط سحب “أجهزة الإنعاش” الاقتصادية. إيقاف تدفق أموال النفط، أو فرض عقوبات مشددة على مؤسسات مالية وسياسية محورية، هو ما يعني الشلل الفوري والمباشر للدولة وعجزها عن دفع رواتب ملايين العراقيين. وحينها، لن ينهار النظام بفعل صواريخ الخارج، لكن سيتفتت من الداخل تحت وطأة “فوضى الجياع” التي ستأكل الأخضر واليابس، وتتجاوز أسوار المنطقة الخضراء المحصنة.

نحن ندخل نفقاً شديد التعقيد، محفوفاً بعدم يقين بالغ الخطورة. ما لم تدرك الطبقة الحاكمة أن قواعد اللعبة القديمة قد احترقت صبيحة هذا اليوم، وما لم تتنازل عن مكاسبها الضيقة لصالح “تسوية وطنية كبرى” تنقذ هيكل الدولة من الانهيار، فإن العراق لن يكون متفرجاً على الأحداث، لكن سيكون حطب المحرقة الذي يغذي حريق الشرق الأوسط الجديد.

إنها لحظة الحقيقة القاسية.. فهل يعي من بيده الأمر أن “الانسداد السريري” المتجاهل اليوم، سيتحول غداً إلى “شهادة وفاة” لكيان الدولة بأكمله؟


مشاهدات 51
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/03/02 - 3:34 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 2385 الكلي 14956454
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير