الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سارة الصراف سمعت كل شيء بعد روايتها

بواسطة azzaman

لأنها حفيدة عبقري الري ومؤرّخ حضارات الرافدين فقد  إستوصت بالماء خيراً

سارة الصراف سمعت كل شيء بعد روايتها

مجيد السامرائي

 

ليس من سمع كمن رأى

لكن حفيدة الاحمدين سارة الصراف.

لم تكتفِ بالسماع، بل رأت وكتبت، وها هي تستعد أن تروي لنا ما سمعته ورأته... وما خبأته الصفحات.

قيل إنك سمعتِ كل شيء... هل يمكن تصديق ذلك؟

فيما يتعلق بالرواية، نعم. لقد سمعت كل شيء.

عشتار – بطلة الرواية – كانت هي الراوية، وكانت تتنصت من خلف الأبواب المواربة، تسمع همسات الكبار، وتجمع شتات الحكاية.

وهل اختارت عشتار أن تسمع؟

أجل. عشتاراختارت أن تسمع، لكن كلكامش هو من رأى كل شيء، وعرف كل شيء.

عشتار... من اختار هذا الاسم؟

أنا من اختاره.

كان اسمي في البداية

وفي الحياة، ينادونك سارة، أليس كذلك؟

نعم، سارة.

لكن داخل البيت... هناك أسماء أخرى لا أبوح بها هنا.

 الرواية تمتد عبر أكثر من أربعمئة صفحة. وقيل إنك توقفتِ عن كتابتها فجأة؟

 نعم، هناك من قال لي: «لا تُكمليها».

وصلت إلى منتصف الطريق، فقيل: كفى.

لكنني أخطأت حين استجبت لهذا الصوت، لأن الرواية، كما أظن، هي التي تمسك بك، لا العكس.

قرأت يومياتك، وبدا لي أنك تكتبين سيرة ذاتية... هل الرواية مذكراتك؟

لا، الرواية ليست سيرة ذاتية، وإن كانت تحتوي شيئاً مني.

تعمدت أن أجعل السرد قائماً على تواريخ، وكل تاريخ يرتبط بحدث حقيقي داخل النص.

هكذا استطعت أن أكتبها على مراحل... لقد استغرقت 14 عاماً حتى أتممتها.

أهي وثيقة زمن؟

نعم، هي كذلك.

توثّق لحالة اجتماعية، وتحكي عن مرحلة من تاريخ العراق، من بدايات الحرب العراقية الإيرانية عام 1982 وحتى إعلان وقف إطلاق النار في 1988.

ومع ذلك قلتِ: لا تتهموني بأني عشتار؟

صحيح.

هناك دائماً شيء من روح الكاتب يسكن الشخصية، لكن تبقى هي «رواية»، لا «أنا».

السؤال يتكرر كثيراً: «هل أنتِ عشتار؟»، وأجيب دائماً: ربما جزء صغير مني... لكنني لستُ هي.

ما الذي يتبقى من كل هذا؟

 الحب.

الحب وحده هو الحقيقة.

حتى لو بدا خافتاً في الرواية، يظهر في قصة «العينين»... قصة عباس وعايدة.

قصة حقيقية؟

لا.

لكن الحب هو الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، في أي زمن.

وطأة الحرب

هو ما يكسر وطأة الحرب، وما يضيء العتمة وسط كل هذه القسوة.

وكأنك تقولين: «خذوني بطيبة قلبي»، فالمحبّة لا تأتي إلا من قلب طيب، وزمن المحبّين... قصير؟

تماماً.

زمن المحبّين قصير، لكن أثرهم طويل.

الطفولة الشقية... نزيلة فندق من خمس نجوم، لكنها لم تحظَ بنجمة واحدة في الواقع؟

هناك مرحلتان في حياتي: ما قبل الغربة، وما بعدها.

المرحلة الأولى كانت خمس نجوم، ليس لأن الواقع فخم، بل لأن الدفء والحنان والجدة والبيت منحوني هذه النجوم.

 والمرحلة الثانية؟

جميلة... ولكنها بلا نجوم.

مرحلة الغربة موجعة، لكنها لا تخلو من النجاح.

والغربة ليست سهلة، أليس كذلك؟

لا، ليست كذلك.

أي مغترب يعرف أن الغربة موجعة، لكنها – في الوقت ذاته – تُعلّم وتصقل وتمنحك لغة جديدة لفهم الحياة.

في الرواية... وفي الذاكرة أيضاً، هناك سطح.

سطح يلمع تحت نجوم الليل. احكي لي عنه بالله يا سارة.

السطح...

النوم على السطح ليس مجرد تفصيل.

هو جزء راسخ من ذاكرتي، يحمل ما هو جميل... ومؤلم في الوقت ذاته.

من يقرأ الرواية سيلاحظ مشهد موت «عماد» على السطح.

ذلك المشهد تحديداً مستلهم من واقعة حقيقية: خالي، الذي عاد منهكاً من الجبهة، ونام على السطح... ولم يستيقظ.

 هل كان مقاتلاً؟

نعم، كان على الجبهة.

لكنه لم يُحتسب شهيداً، ولم تُنصفه الدولة.

كانت هجمة مفاجئة... وعاد مهزوزاً ومتعباً، فنام دون أن يدري أن نومه هذا سيكون الأخير.

تأثرتِ كثيراً بهذه الحادثة؟

كنت طفلة، في الثامنة تقريباً، لكنني أذكر كل شيء بتفاصيله.

ذلك اليوم، رأيته يسدّ الباب، يسلم علينا، ثم نام.

لاحقاً، صحونا على الصرخة من السطح... بعدها لم نعد ننام هناك.

جدتي رفضت تماماً العودة للنوم فوق السطح.

ومع ذلك، يبدو أنكِ تحتفظين للسطح بمكانة خاصة.

بالضبط.

رغم كل شيء، فالسطح عندي هو الحميمية.

أذكر الغطاء المبلل، «الململ»، الذي كانوا يبلّلونه لننام تحت نسمات الهواء اللطيف.

كانت أياماً خضراء في ذاكرتي، رغم كل الشحوب.

 لكن الرواية تتوقف عند عام 1983، عند وفاة خالك. لماذا؟

لأنها لحظة فارقة.

هي لحظة كسرت شيئاً داخلي.

ومنها، أعود دائماً إلى المربع الأول، إلى بدايات الحرب، إلى طفولة كانت تنظر للعالم من زاوية بين 1980 و1988.

كم كان عمرك حين بدأت الحرب؟

كنت في الخامسة من عمري.

ولدت في 1975.

كل طفولتي صيغت داخل هذه الحقبة الدامية.

«يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة، والأذن تعشق قبل العين أحياناً»...

ماذا عشقتِ من بغداد؟

كل شيء.

كل ركن، كل رائحة، كل صدى.

حتى تلك الساقية الصغيرة وسط السوق... كانت عشقي.

حتى اسم الرواية الأول، قبل أن أقرر «سمعتُ كل شيء»، كان «قلائد القدّاح».

قلّائد القدّاح

نعم.

كلنا كنا نرجع من المدرسة ونلملم زهور القداح من الأرض، نحتضنها ونلبسها كالأوسمة الصغيرة.

كنت أريد أن أسمي الرواية بهذا الاسم، لكن شعرت أن «سمعت كل شيء» يمنحها وقْعاً أقوى

ومع ذلك، القداح يذبل إن أردته أن يعيش طويلاً في كفّك، أليس كذلك؟

صحيح.

وما أكثر الأشياء التي تذبل حين نُمسك بها بشدة.

ولكِ في الرواية نصيب من الأغاني أيضاً؟ حتى أغاني حسين نعمة وسعدون جابر

نعم.

أدرجت كثيراً من الأغاني التي كبرت عليها، فهي جزء من نسيج الذاكرة الجمعية.

نعود إلى الأسماء. كنتِ تسمي «قلائد القدّاح»...

ثم «شارع طه»؟

 نعم.

شارع طه.

شارع طفولتي.

شارع المعماري رفعة الجادرجي، وذكريات جدي... جديَّ الاثنان: أحمد سوسة، وأحمد حامد الصراف.

هل كان لهم أثر مباشر في مسارك؟

كبير جداً.

نهلت من مكتبة جدي منذ صغري، تعلمت، تشبّعت، ثم افترقت... وسرت في درب الرواية.

«سمعت كل شيء» كُتبت قبل 14 عاماً، وانتهيتِ منها منذ عام واحد فقط؟

صحيح.

هي مشروع امتد عبر الزمن.

وما زلتُ أرغب في أن أتممه بنصّ آخر، ربما نصّ سيريّ، ربما رواية أخرى.

لماذا تكتبين؟

لأن الواقع أحياناً لا يُحتمل...

فنحتاج أن نهرب منه نحو شيء فيه بعض الحلم، وبعض الطفولة، وبعض عطر صابون الغار الذي ما زال يسكن في مسامات الأحفاد.

أنتِ اليوم في دبي، لكن بغداد لا تزال حاضرة؟

حاضرة بكل تفاصيلها.

أستعيد شارع طه، صباحات الجمعة، صوت الجدة، قصص الحرب، انتظار الأبناء في الإجازات القصيرة...

وانتظار الموت، الذي كان يترصّد الجميع من خلف جدار.

ما الذي أخذته من أحمد؟

كثيراً... أظنني أخذت الكتابة.

من أيّ أحمد؟

من الاثنين:

من أحمد سوسة، العالم،

ومن أحمد حامد الصراف، الأديب والشاعر....

ميولك تميل أكثر إلى الأدب؟

نعم، توجهي الأدبي أقوى من العلمي، وإن كنت أنتمي لمدرسة الاثنين.

لكن الكلمات تسحبني، تهدهدني، تدفعني نحو السرد أكثر من الأرقام والمعادلات.

 

وكان معماري المياه، أحمد سوسة، حاضراً في الذاكرة؟

نعم، حاضراً دائماً.

والدتي كانت تردد:

«سدي الماي، لا تخلّين الماي يجري، جدّك ما يرضى

كان الماء قيمة، لا مجرد مورد.

أمي – عالية سوسة – علمتنا أن الماء لا يُهدر.

حتى الآن، كلما فتحت الحنفية وتركته يجري، أسمع في داخلي صوتها يقول: «جدك يزعل

ذاكرتك بالماء، وذاكرتك بالقصف.

هل صحيح أن أحمد سوسة كان يبقى تحت الدرج أيام الغارات؟

نعم، وذكرت هذا المشهد في الرواية.

في بداية الحرب، كنا نخرج لنتفرج على الطائرات... لم نكن ندرك خطورة الأمر.

لكنني خفت عليه. كنت صغيرة، لكنه بدا هشّاً.

أمسكت يده وقلت له: «لا تطلع برّه. اقعد تحت الدرج. لا تتحرك

وفعل.

 كان يستجيب لكِ

نعم.

رغم هيبته، كان يسمع كلامي.

كان يعيش في مكتبته، لا يغادرها.

وكنت أنا، الطفلة، أُرسَل إليه لأدعوه لتناول الطعام، وكان يلبي.

أما أحمد حامد الصراف، فكان عنيداً؟

عنيد... لكن ليس معي.

كنت أرافقه على الدرج، أطوّق قامته الطويلة، أقول له: «لا تنزل وحدك، أنا أقودك

عكس جدي سوسة القصير، كان طويلاً جداً، وأحتاج أن أرفعه بصوتي لأصل إليه.

لكني كنت أقوده... وهم يسمحون لي بذلك.

يبدو أن الذاكرة مع الجدّين ما زالت ندية؟

جداً.

الكتاب القادم

قبل أيام، قالت لي الأستاذة إيمان البستاني تعليقاً على الرواية:

«سارة، كتابك القادم يجب أن يكون عن ذكرياتك مع الجدّين

ومنذ ذلك الحين، وأنا أفكر بالأمر...

لديّ الكثير لأرويه

حدثينا عن قصة جميل صدقي الزهاوي ووسام الشرف في إيران.

أعرفها من والدي.

كان يقول إن الزهاوي حصل على وسام، وأن الصراف هو من رافقه وسجّل الرحلة.

وحين عاد إلى بغداد، كتب عنها ليوثّق هذا التكريم.

كان الحديث لا يخلو من جلسات صلح بين الزهاوي والرصافي، وصور نادرة لجلساتهم.

هل زرتِ بغداد؟ هل عدتِ إلى المتنبي؟

نعم.

زرت قهوة الزهاوي أيضاً، لكن كانت مغلقة حينها.

ليست كما كانت في الماضي.

لكن سمعت مؤخراً أنهم رفعوا البلوكات عنها، فعادت الروح إليها.

 

بقية المادة على موقع (الزمان)

 

 

كتابتك... ليست أدب أمهات، بل أدب أجداد

نعم.

فقدت أمي، وكنت أكثر قرباً من الجدّات.

الجدات كنّ عالمي، وكنت حفيدتهن المفضلة.

مسافة بين أحمد سوسة وأحمد حامد الصراف، كانت كلها أدب؟

تماماً.

كنت «سارة الدوّارة»... الصغيرة التي تدور في الحي برفقة جدتها، وتتنقّل من بيت إلى بيت، ومن قبول إلى آخر

كنت أستمع لأحاديث الكبار، وأسجّلها في ذاكرتي، حتى لو لم أفهمها تماماً.

ووالدتك

كانت أستاذة جامعية في قسم التاريخ بجامعة بغداد، ثم عملت في اتحاد المؤرخين العرب.

مشغولة دائماً، فكانت ذكرياتي الأولى مع الجدات.

لهذا، لا عجب أنني أكتب عن الجدّين، لا عن الأم.

الآن، وأنت تتحدثين، يبدو أنك تفكرين بروح الجدة؟

 نعم... حتى تلك الفتاة، عشتار الصبية، المراهِقة في الرواية، التي كانت تختبر الحب في صمت، لا تزال موجودة بداخلي.

هي لم تختفِ... هي أنا أيضاً.

كلنا مررنا بتلك المرحلة: التحوّل من الطفولة إلى الصبا، تساؤلات لا تُقال، مشاعر لا تُفصح، وأسرار لا تُفهم بالكامل.

بالضبط... كانت لدينا قصص حب لا نبوح بها.

ابن الجيران، البائع في السوق، عابرٌ في الشارع...

تلك المغامرات التي لا تُروى.

الرواية تمثل هذه المنطقة الرمادية، حيث لا أبيض ناصع، ولا أسود قاتم، بل ضباب من أسئلة ومشاعر.

تبدو “عشتار” مرآة لجيل كامل من الفتيات.

نعم، عشتار هي نحن.

كيف تساءلنا عن الله، عن الصلاة، عن الصح والخطأ، وكيف بدأ الرمادي يتسرّب إلى يقيننا.

ما تعلمناه من أهلنا كان صارماً، حاداً، لكن الحياة... خبطت كل ذلك.

الأسود والأبيض يتلاشيان، ويبقى الرمادي.

 

تماماً... يكبر معنا.

قلتِ لي إنك شعرتِ أنني سألبس الأخضر اليوم، فارتديتِ الأخضر قبلي؟

لا أدري... شعور.

لكن الأخضر يليق بك، رغم أني أراك أكثر بالأسود.

لأني حزينة

نعم...

لكنه الحزن الأنيق، حزن الثمانينيات.

كان جيلنا مستقراً، لكنه فقد الأمان.

حتى الجرس حين يُقرع، كنا نرتبك... هل هو خبر سيئ؟ هل مات أحد؟ هل استُدعي أحد للجبهة؟

الأسود كان خلفية الحياة؟

كان طاغياً.

صوت الموسيقى كان يتكرر في الفرح والحزن.

المزمار ذاته في العرس والمأتم.

 

دعينا نترك الأسود، ونذهب إلى الأخضر... إلى «ربيع الجدات».

ربيع الجدات هو الطمأنينة.

كان لدي إحساس بأن كل الجدات هن جدتي.

البيت كان يعجّ بأحاديثهن، رائحتهن، خزانة الأسرار التي لم نكن نفهمها كلياً، لكنها سكنت فينا.

وهذه الذاكرة مرّرتيها لأولادك

نعم.

كنت أروي لهم الحكايات التي سمعتها.

وهذا ما يجب أن نفعله جميعاً، لأن دور الجدات بدأ يغيب.

الآن... سنصبح نحن الجدات.


مشاهدات 29
الكاتب مجيد السامرائي
أضيف 2026/03/01 - 5:31 PM
آخر تحديث 2026/03/02 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 1272 الكلي 14955341
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير