الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ذاكرة التوكتوك

بواسطة azzaman

ذاكرة التوكتوك

منتصر صباح الحسناوي

 

في السنوات الأخيرة، تحوّل “التوكتوك” من تطبيقٍ للتسلية السريعة إلى فضاءٍ واسع التأثير في تشكيل الوعي الجمعي، ولا سيما لدى الأجيال الشابة في العراق.

سهولة التداول وسرعة الانتشار وقابلية صناعة المحتوى من أي هاتفٍ محمول، جعلته يتقدّم على منصات مثل Facebook وX من حيث الحضور اليومي والتأثير النفسي المباشر.

غير أنّ السؤال الأهم لا يتعلّق بعدد المستخدمين، وإنّما بنوع الذاكرة التي يُنتجها هذا الفضاء الرقمي.

في ذاكرةٍ لم تُدرك الألمَ في حرب الثمانينات والأحداث التي سبقتها، ولم تعِ حصارَ التسعينات بما فيه من جوعٍ  وذلٍّ وانهيارٍ للعملة ومشاهد طويلة لطوابير الخبز والنفط.

لم تعش ذلك الإحساس اليومي بالخوف من طرقات الليل ولا القلق من “الكلمة” عندما تصبح سبباً للموت.صحيحٌ، إن هذا الجيل واجه أزماتٍ مختلفة بعد 2003، وعايش الإرهاب والاقتتال الداخلي والتفجيرات والبطالة وكلها ذاكرة ألمٍ ثقيلة.

غير أنّ ذاكرة الثمانينات والتسعينات كانت بنيةً كاملة من المعاناة الممتدة،  سنواتٍ تتراكم فوق سنوات حتى صار الألم جزءاً من الإيقاع اليومي للحياة.

مقاطع قصيرة

هنا لا نبحث في مقارنةٍ بين سيءٍ وأسوأ وإنما في تمييزٍ بين ذاكرةٍ معاشة وذاكرةٍ مُعاد إنتاجها.

الذاكرة المفتعلة في فضاء “التوكتوك”، تُظهر مقاطع قصيرة تستعيد صوراً من زمن النظام السابق، تُرفق أحياناً بموسيقى حماسية أو عباراتٍ عن “الهيبة” و”البطولات”، فتختزل مرحلة كاملة في لقطاتٍ عسكرية أو مشاهد رسمية أو سردياتٍ تُعيد صياغة المغامرات السياسية بوصفها ملاحم.

بهذا الشكل، تُصنع ذاكرةٌ انتقائية، تقطع المشهد من سياقه وتعيد عرضه على أنه زمن جميل.

لا ذلّ ولا جوع  ولا الخوف ولا مقابر جماعية ولا أطفال تتألم ولا انطفاء للإحلام الصغيرة، إن حق أن نحلم .

 تختفي تلك التفاصيل اليومية التي يعرفها من عاش تلك المرحلة.

الذاكرة الحقيقية مسؤولية غير ترفية، تسكن العقول التي عاشت التجربة، في البيوت التي فقدت أبناءها، في الأمهات اللواتي انتظرن طويلاً، في دفاتر الديون، وفي قصص الهجرة، في مقابر معلومة والكثير منها ما تزال مجهولة.

هذه الذاكرة لا تحتاج مؤثراتٍ صوتية لتُقنع، لأنها محفورة في التجربة الإنسانية.

في هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات الدرامية الوطنية التي تسعى إلى توثيق الذاكرة العراقية كما عُرفت وعُيشت. المبادرة الأخيرة التي أُطلقت برعاية رئيس الوزراء لدعم الدراما العراقية تمثّل خطوةً مهمة، كان من نتاجاتها تحويل الألم إلى سردٍ فنيٍّ موثّق، يُعيد بناء الصورة بعيداً عن الاختزال.

الدراما قادرة على استعادة التفاصيل التي لا تتسع لها المقاطع القصيرة، قادرة على تقديم الشخصيات بعمقها الإنساني وعلى ربط الحدث بسياقه الاجتماعي والسياسي.

بطولات وهمية

عند  تقديم البطولات الحقيقية ضمن إطارها التاريخي، تتمايز عن البطولات الوهمية التي تُنتجها منصاتٌ سريعة الإيقاع.

لا يمكن إنكار أن “التوكتوك” أتاح مساحةً واسعة للتعبير وفتح المجال أمام مواهب شابة وكسر احتكار الإعلام التقليدي.

فيه محتوى توعوي وثقافي وتعليمي وفيه طاقات إبداعية واضحة.

غير أنّ خطورته تكمن في سرعة تكوين الانطباع وفي قدرة الصورة المختصرة على تثبيت فكرةٍ غير مكتملة. الوعي عندما يتغذى على المقاطع القصيرة وحدها، يفقد تدريجياً قدرته على التحليل العميق.

هنا نحتاج تعزيز التمييز بين الذاكرة الحقيقية والذاكرة المصنوعة، فمن حق الأجيال الجديدة أن تعرف تاريخها كما كان، لا كما يُعاد تقديمه في مشاهد انتقائية.

المؤسسات الثقافية والدراما الوطنية والبحث الأكاديمي والكتابة الرصينة، جميعها أدواتٌ لإعادة بناء السردية العراقية بصورةٍ متوازنة، تلك الذاكرة تستحق أن تُروى بصدق وأن تُصان من الاختزال والانتقاء الموجه.

 


مشاهدات 11
الكاتب منتصر صباح الحسناوي
أضيف 2026/03/01 - 3:04 PM
آخر تحديث 2026/03/02 - 3:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 335 الشهر 1446 الكلي 14955515
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير