مرتاح الاعوج والعدل شابع دك
علي حربوش المسعودي
في مدينةٍ تتنفس الغبار أكثر مما تتنفس العدالة، كان الناس يمشون برؤوسٍ مطأطأة، لا لأن السماء منخفضة، بل لأن الظلم صار أثقل من قدرتهم على رفع أعينهم.
كان «الأعوج» معروفًا في الحي. لا يمشي بخط مستقيم، ولا يتكلم بكلمةٍ واضحة، لكنه دائمًا يضحك. بيته يكبر كل سنة، وسيارته تتبدل كل موسم، وأصدقاؤه يتكاثرون كأنهم ظلٌّ لشجرةٍ مثمرة. لم يكن يخجل من التواء طرقه، بل كان يفتخر بأنه يعرف من أين تؤكل الكتف.
وعلى الطرف الآخر، كان «العدل». رجلٌ بسيط، يحمل قلبًا مستقيمًا كالسهم، وضميرًا لا ينام. يعمل بصمت، يتعب بصمت، ويعود إلى بيته بصمت. كلما حاول أن يرفع صوته، قيل له: « هكذا هي الدنيا......امشي بحانب الحائط.»
الأعوج مرتاح. لا يسأله أحد من أين جاء، ولا إلى أين يذهب. أبواب المسؤولين مفتوحة له، والموائد عامرة باسمه، والناس تصفق له خوفًا أو طمعًا.
أما العدل، فشابع دگ.
كلما قال كلمة حق، اصطدمت بصخرة.
كلما رفض رشوة، خسر فرصة.
كلما تمسّك بمبدأ، وجد نفسه وحيدًا.
في إحدى الليالي، جلس العدل أمام نافذته، يتأمل ضوء المصابيح الباهتة. تساءل في نفسه:
هل الخطأ فيّ؟
هل الاستقامة حماقة في زمن الانحناء؟
لم يكن يريد مال الأعوج، ولا جاهه… كان يريد فقط أن يعيش بلا أن يساوم على نفسه.
مرت الأيام، وكبر بيت الأعوج أكثر، لكنه كبر معه خوفه. صار يلتفت خلفه كثيرًا، ويغير أرقامه، ويبدل وجوهه. ضحكته لم تعد صافية، وصار الليل عنده أطول من المعتاد.
أما العدل، فرغم الجراح، كان ينام قرير العين. لا يملك الكثير، لكنه يملك نفسه. لا يصفق له الناس، لكن ضميره لا يصفعه.
وفي صباحٍ ما، سقط الأعوج في أول حفرة حفرها لغيره. لم يجد حوله إلا الصمت. الذين كانوا يحيطونه تبخروا، والوجوه التي كانت تبتسم انقلبت.
بينما العدل، وإن تأخر، جاءه من يقدّر صموده. ليس لأن الدنيا تغيرت فجأة، بل لأن الحق وإن تأخر، لا يموت.
وهكذا بقيت الحكاية تُروى في الحي:
أن الأعوج قد يرتاح زمنًا، لكن راحته مؤقتة كظل الغروب.
وأن العدل قد يُدگ كثيرًا، لكن كل دگة كانت تبني في داخله جدارًا من نور.
فالاستقامة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، لكنها الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بندم.