الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العلمانية ..عقل الدولة وأخلاق التعايش

بواسطة azzaman

العلمانية ..عقل الدولة وأخلاق التعايش

حيدر النقيب

 

ما تزال العلمانية تُقدَّم، في أدبيات الإسلام السياسي، بوصفها نقيضاً للدين وعدواً للإيمان، في مغالطة مفهومية متعمدة تُراد بها تعبئة العواطف لا تنوير العقول. فالعلمانية، في جوهرها العلمي والسياسي، ليست عقيدة بديلة ولا أيديولوجيا شمولية، بل منهج دستوري لتنظيم السلطة يقوم على تحييد الدولة عن الانحياز الديني، لا على نفي الدين أو إقصائه من المجتمع. يعرّف ماكس فيبر العلمانية بوصفها ثمرة عقلنة الدولة الحديثة وفصل مجالات السلطة، بما يمنع تديين السياسة أو تسييس المقدّس. ويؤكد جون لوك أن حياد الدولة تجاه الأديان هو الشرط الجوهري لحماية حرية الضمير ومنع الاستبداد باسم الحقيقة المطلقة. أما تشارلز تايلور فيرى أن العلمانية لا تعني إخراج الدين من الفضاء العام، بل ضمان التعدد المتكافئ داخله، بحيث لا تتحول الدولة إلى ممثل حصري لإيمان بعينه. ويذهب يورغن هابرماس إلى أن الدولة العلمانية هي الإطار الوحيد القادر على إدارة التعدد القيمي والأخلاقي دون تفجير الصراع المجتمعي. لقد أثبتت تجارب الإسلام السياسي، ولا سيما في المجتمعات المتعددة عرقياً ومذهبياً وفكرياً، فشلاً بنيوياً واضحاً؛ إذ إن تحويل الدين إلى برنامج حكم أفضى إلى احتكار الحقيقة، وتقويض مبدأ المواطنة، وإنتاج أنظمة إقصائية تُقدّس السلطة وتُسيّس العقيدة. فالدولة المؤدلجة دينياً لا توحّد المجتمع، بل تقسّمه، ولا تحمي الإيمان، بل تزجّه في صراعات السياسة القذرة. في المقابل، تمثل العلمانية بوصفها نظاماً سياسياً برامجياً غير عقائدي، الضمانة الأعلى لحفظ حقوق الأفراد وصيانة حرياتهم الدينية والمذهبية والفكرية. والتجربة الأوروبية المعاصرة شاهد حيّ: حيث تمارس كل الجاليات والاتجاهات طقوسها وقناعاتها بحرية كاملة، لا بفضل هيمنة دينية، بل تحت مظلة قانون وضعي علماني يقوم على مبدأ المواطنة والكرامة الإنسانية. إن العلمانية، بهذا المعنى، ليست ضد الدين، بل ضد احتكاره، وليست خصماً للإيمان، بل حارساً لحرية الاعتقاد، وهي شرط الدولة العادلة في زمن التعدد والاختلاف.

 


مشاهدات 46
الكاتب حيدر النقيب
أضيف 2026/02/11 - 2:52 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 5:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 187 الشهر 8880 الكلي 13940524
الوقت الآن
الخميس 2026/2/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير