الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إدارة الخلاف في واشنطن.. كلفة الاستقطاب على الدولة

بواسطة azzaman

إدارة الخلاف في واشنطن.. كلفة الاستقطاب على الدولة

محمد علي الحيدري

 

لم تعد الخلافات السياسية في الولايات المتحدة مجرد ظاهرة موسمية مرتبطة بالانتخابات أو بتبدّل الإدارات، بل أصبحت عنصرًا بنيويًا في طريقة إدارة الحكم. فالنظام السياسي الأميركي، الذي قام تاريخيًا على التوازن بين السلطات والتسويات المرحلية، يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا يتمثل في كيفية إدارة التباين الحاد دون أن يتحول إلى عبء مؤسسي دائم.

في هذا السياق، يبرز ملف تمويل وزارة الأمن الداخلي كنموذج دالّ على هذا التحول. فالقضية، في أصلها، إجرائية ومالية، تهدف إلى ضمان استمرارية عمل مؤسسة سيادية معنية بالأمن والهجرة وحماية الحدود. غير أن هذا الملف تحوّل إلى مساحة تجاذب سياسي أوسع، تُستخدم فيها أدوات التمويل لتحقيق مكاسب تفاوضية تتجاوز مضمون الموازنة نفسها.

أهمية هذا المثال لا تكمن في تفاصيله التقنية، بل في ما يعكسه من منطق سياسي آخذ في الترسخ. إذ باتت الاستحقاقات المؤسسية تُدار بمنطق “اللحظة الأخيرة”، حيث يُترك هامش الغموض قائمًا حتى تتضح موازين القوة. هذا الأسلوب لا يعني بالضرورة رغبة مباشرة في تعطيل عمل الدولة، لكنه يُظهر قبولًا ضمنيًا بكلفة التعطيل بوصفها جزءًا من لعبة السياسة.

من منظور استراتيجي، تكمن المشكلة في أن هذا النمط لا يبقى محصورًا في ملف واحد. فعندما يصبح التأجيل أداة تفاوض، تتراجع القدرة على التخطيط طويل الأمد، وتُستنزف طاقة المؤسسات في إدارة الأزمات بدل منعها. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”الإجهاد المؤسسي”، حيث تستمر الدولة في العمل، لكن بكفاءة أقل، ومرونة أضعف.

هذا الواقع يرتبط بتحولات أعمق في البنية السياسية الأميركية. فقد أدى تصاعد الاستقطاب إلى تراجع مركزية القرار، وصعود أجنحة حزبية أكثر تشددًا، لا ترى في التوافق قيمة بحد ذاته، بل تعتبره تنازلًا أمام الخصم. ونتيجة لذلك، أصبحت التسوية السياسية أكثر كلفة داخليًا من المواجهة، حتى وإن كانت الأخيرة أقل جدوى على مستوى إدارة الدولة.

ورغم ذلك، لا يمكن توصيف المشهد بوصفه أزمة نظام بالمعنى الكلاسيكي. فالمؤسسات الأميركية ما زالت تعمل ضمن الأطر الدستورية، وآليات الضبط والرقابة ما زالت قائمة. غير أن الإشكالية تكمن في وتيرة العمل، وفي ضيق هامش المناورة، خصوصًا مع اقتراب أي استحقاق انتخابي، حيث يتقدم الاعتبار السياسي قصير المدى على الحسابات الاستراتيجية الأبعد.

خارجيًا، تنعكس هذه الديناميات على صورة الولايات المتحدة ودورها الدولي. فالحلفاء يتعاملون مع واشنطن بوصفها شريكًا ثابتًا في المبادئ العامة، لكن أقل قابلية على الحسم السريع. أما الخصوم، فيرون في هذا البطء فرصة لإعادة التموضع، لا عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال استثمار الفجوات الزمنية التي يفرضها الانشغال الداخلي.

في المحصلة، فإن التحدي الذي تواجهه واشنطن اليوم لا يتعلق بغياب القدرة أو ضعف الأدوات، بل بكلفة الاستقطاب على فاعلية الدولة. فإدارة الخلاف، حين تتحول من وسيلة لحماية التوازن إلى نمط حكم دائم، تهدد بتحويل السياسة من أداة تنظيم إلى مصدر إنهاك مستمر.

ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة النخب السياسية الأميركية على إعادة التمييز بين الخلاف المشروع، بوصفه جزءًا من الديمقراطية، وبين تحويله إلى حالة دائمة تستنزف مؤسسات الدولة وتحد من قدرتها على الفعل في عالم لا ينتظر المترددين.


مشاهدات 113
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/02/11 - 2:48 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 3:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 8798 الكلي 13940442
الوقت الآن
الخميس 2026/2/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير