الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين لا يتوقّف الرأس عن التفكير

بواسطة azzaman

حين لا يتوقّف الرأس عن التفكير

فاروق الدباغ

 

نعيش هذه الأيام وكأن صدورنا مشدودة بخيط غير مرئي.

نضحك أحيانًا، ننجز، نمضي في تفاصيل اليوم، لكن شيئًا في الداخل يبقى متيقظًا، حذرًا، كأنه لا يثق تمامًا بأن الأمور بخير. القلق لم يعد طارئًا، صار رفيقًا صامتًا. والخوف من الغد لا يأتي كفكرة واضحة، بل كإحساس ثقيل يسبق النوم، ويوقظنا قبل المنبّه.

كثيرون يشعرون أنهم متأخرون عن حياتهم. متأخرون عن أحلام كان يفترض أن تتحقق، عن نسخ أقدم من أنفسهم كانوا أكثر خفة، أكثر تصديقًا. نعود إلى الماضي بلا قصد، نفتح أبوابًا أغلقناها منذ زمن، ونحاسب أنفسنا بقسوة: لو فعلت، لو انتبهت، لو لم أسكت. كأننا ننسى أننا كنّا نعيش بما نملكه حينها، لا بما نعرفه الآن.

العالم من حولنا لا يساعد. كل شيء يطلب منا أن نكون أقوى، أسرع، أقل تردّدًا. لا وقت للتعب، ولا مساحة للارتباك. لكن الداخل لا يسير بهذه الوتيرة. في الداخل، الأشياء تمشي ببطء، وتتراكم بهدوء، وتنتظر أن يُلتفت إليها.

أحيانًا لا يكون التوتر سببه ما يحدث الآن، بل ما لم يحدث منذ زمن. شعور قديم بعدم الأمان، فقدٌ لم يُحزن عليه كما ينبغي، كلمة لم تُقل، أو وداع لم يكتمل. هذه الأشياء لا تختفي لأنها صمتت. تبقى، وتجد طريقها إلينا في أكثر اللحظات عادية: في خوف مفاجئ، في دمعة بلا سبب واضح، في ضيق لا يفسّره المنطق.

نلوم أنفسنا لأننا نقلق أكثر ممايستحق” الموقف. لكن القلق لا يقيس الأمور بالحسابات العقلية. هو يقيسها بالذاكرة، وبما تعلّمه القلب عن الخسارة، وبما اختبره الجسد من ارتجاف قديم. لذلك يبدو أحيانًا أكبر من اللحظة، وأثقل من السبب.

وفي محاولتنا للتماسك، نصبح قساة مع ذواتنا. نحدّث أنفسنا بلغة لا نقبل أن نوجّهها لأقرب الناس إلينا. نطالب بالتحسن السريع، بالنسيان الفوري، بالتجاوز الكامل. كأن الداخل آلة تحتاج إصلاحًا، لا إنسانًا يحتاج فهمًا.

لكن ما يحدث في العمق ليس عطلًا. هو استمرار. استمرار لقصص لم تُحكَ بعد، ولمشاعر لم تجد مكانها، ولحاجة بسيطة لم تُلبَّ: أن يشعر الإنسان بأنه مسموع، حتى من نفسه.

ربما لهذا نرتاح حين يشاركونا إحساسًا مشابهًا، حين نقرأ كلمات تشبه ما في صدورنا، أو نسمع اعترافًا صادقًا من شخص لا يعرفنا. ليس لأن الحل قُدّم، بل لأننا لم نعد وحدنا في هذا الشعور.

شيئًا فشيئًا، حين نُخفّف الحكم، ونسمح للحنين أن يمر دون أن نغرق فيه، وحين نتعامل مع القلق كرسالة لا كعدو، يبدأ الداخل بالهدوء. ليس اختفاءً، بل طمأنينة خفيفة تقول: لا بأس أنت تحاول، وهذا كافٍ الآن.

ربما لا نحتاج أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا اليوم. ربما يكفي أن نكون أرحم نسخة.


مشاهدات 32
الكاتب فاروق الدباغ
أضيف 2026/02/11 - 2:29 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 4:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 8840 الكلي 13940484
الوقت الآن
الخميس 2026/2/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير