فضيحة جيفري إبستين.. قراءة في المعلومات المتجدّدة وتوقيت إعادة فتحها
نبراس المعموري
تعود فضيحة رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين إلى واجهة المشهد الإعلامي والسياسي من جديد، مع تسريبات ووثائق وشهادات أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث. وعلى الرغم من أن جذور القضية تعود إلى سنوات طويلة، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لا يتمحور حول ما كُشف فقط، بل حول لماذا يُعاد طرح هذه المعلومات في هذا التوقيت بالذات؟
المعطيات التي أُعيد تداولها مؤخرًا ركزت على توسيع دائرة الشخصيات المرتبطة بإبستين اجتماعياً ومالياً ، وإبراز أوجه الخلل المؤسسي في تعامل الجهات القضائية والأمنية مع الملف ، وإعادة تسليط الضوء على شبكات النفوذ التي وفرت له حماية غير مباشرة لسنوات.
وبالرغم من أهمية هذه المعلومات، إلا أن جزءًا كبيراً منها ليس جديدا من حيث المضمون، بل جرى تقديمه ضمن سياق مختلف، وبزخم إعلامي أكبر، ما يمنحه أبعاداَ سياسية تتجاوز الإطار الجنائي.
توظيف سياسي
تسييس الملف وتصفية الحسابات: من المستهدف ولماذا الآن؟
لا يمكن قراءة عودة ملف إبستين بمعزل عن التوظيف السياسي الذي بات سمة ملازمة للقضايا الكبرى في الولايات المتحدة. فالأسماء التي يُعاد ذكرها اليوم تنتمي إلى نخب سياسية ومالية وإعلامية مرتبطة بمراكز صنع القرار، ما يجعل القضية أداة ضغط ضمن صراعات داخلية بين أروقة النفوذ أكثر من كونها مجرد مسار عدالة متأخر.
ويرجح أن توقيت إعادة فتح الملف يستهدف إضعاف شخصيات أو تيارات سياسية في لحظات حساسة تتعلق بمواقع القوة أو إعادة تشكيل السلطة ، وتحجيم نفوذ شبكات مالية وإعلامية لعبت أدواراَ مؤثرة في السياسات الداخلية والخارجية وبالذات لتلك القوى السياسية. أو إعادة ترتيب التحالفات داخل ما يُعرف بالدولة العميقة، حيث تُستخدم الملفات الأخلاقية كسلاح لإقصاء الخصوم.
في هذا الإطار، يتحول الملف من قضية جنائية إلى ورقة تصفية حسابات سياسية، يُكشف منها ما يخدم الصراع، ويُحتفظ بما سواه إلى توقيت أكثر ملاءمة خاصة بعد الشكاوى التي وردت بشأن إظهار معلومات وصور لشخصيات دون اخرى .
هل يرتبط التوقيت بالتوترات الأمنية والصراع على النفوذ عالمياَ؟
يتزامن تصاعد الاهتمام بفضيحة إبستين مع مرحلة يشهد فيها العالم توتراَ امنياً متصاعداَ وصراعاً مفتوحاً على النفوذ الدولي، ليس فقط في أوكرانيا، بل أيضاَ في الشرق الأوسط، ولا سيما في سياق الصراع المعقد بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى التنافس مع روسيا والصين، والصراعات غير المباشرة في أكثر من ساحة. في مثل هذه المراحل، غالبًا ما تلجأ الدول الكبرى إلى تنظيف الداخل سياسيا واخلاقيا من خلال إزاحة شخصيات باتت عبئاَ في معارك النفوذ الإقليمية والدولية ، أو إعادة ضبط المشهد الداخلي تحسباَ لحروب طويلة الأمد، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو معلوماتية.
تحسين صورة
كما أن كشف فضائح تمس النخب الغربية قد يؤدي دوراً في حروب السرديات، سواء لتحسين صورة الخطاب الغربي حول الشفافية والمساءلة، أو لاستباق استغلال هذه الملفات من قبل خصوم دوليين في صراعات التأثير الإعلامي والسياسي.
و رغم أهمية كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يؤدي تسييس الملف إلى تفريغه من جوهره، عبر حصره في أسماء محددة، بدل تفكيك المنظومة التي سمحت بتداخل المال والسلطة والحصانة غير المعلنة. فحين تستخدم القضايا الأخلاقية الكبرى ضمن معارك النفوذ، يصبح الضحايا خارج مركز الاهتمام مرة أخرى، وتتحول العدالة إلى أداة انتقائية تخضع لموازين القوة لا لمعايير القانون.ختاماَ.. إن إعادة إحياء فضيحة جيفري إبستين في هذا التوقيت لا تعكس فقط رغبة في كشف وقائع الماضي، بل تكشف عن صراع حاضر على السلطة والنفوذ، داخلياَ ودولياَ. وبين حق المجتمع في المعرفة، ومحاولات توظيف الصدمة سياسيا، يبقى التحدي الأكبر هو حماية الحقيقة من أن تتحول إلى مجرد ورقة في لعبة المصالح الكبرى.