إقليم كُردستان… بيضة القبان في العراق ودرع التوازن الكُردي في المنطقة
آريان ابراهيم شوكت
ليس من المبالغة القول إن إقليم كُردستان العراق تحوّل خلال العقود الثلاثة الأخيرة من كيانٍ محلي يسعى إلى تثبيت وجوده، إلى لاعبٍ محوري في المعادلة العراقية والإقليمية على حدّ سواء. فموقعه الجغرافي، وتركيبته السياسية، وتجربته الخاصة في الحكم، جعلته «بيضة القبان» التي تميل بكفّة الاستقرار أو الاضطراب، ليس في العراق فقط، بل في فضاءٍ إقليمي تتقاطع فيه المصالح الدولية وصراعات الهويات.
في الداخل العراقي، يمثل إقليم كُردستان عامل توازن نادراً في نظام سياسي يقوم أساساً على الهشاشة. فمنذ عام 2003، ومع انهيار الدولة المركزية التقليدية، أصبح الإقليم نموذجاً مغايراً: مؤسسات شبه مستقرة، قوى أمنية موحدة نسبياً، واقتصاد منفتح على الخارج. هذا الواقع منح بغداد هامش تنفّس في أحلك الأزمات، سواء خلال الحرب الطائفية، أو أثناء تمدد تنظيم داعش، حين كان الإقليم سداً أمنياً منع الانهيار الكامل للدولة العراقية. لذلك، لا تستطيع أي معادلة سياسية في بغداد أن تستقيم دون أخذ موقف أربيل في الحسبان، سواء في تشكيل الحكومات، أو تمرير القوانين السيادية، أو إدارة التوازن بين المكونات.
أما إقليمياً، فتتضاعف أهمية كُردستان العراق. فهو يقع عند تماس جغرافي مباشر مع تركيا وإيران وسوريا، أي مع الدول التي تحتضن أكبر الكتل السكانية الكُردية خارج العراق. هذا الموقع جعله حلقة وصل، وأحياناً منطقة عازلة، وأحياناً أخرى مساحة اختبار لسياسات تلك الدول تجاه المسألة الكُردية. فنجاح تجربة كُردستان – أو فشلها – لا يبقى محصوراً داخل حدوده، بل ينعكس فوراً على المزاج الكُردي في ديار بكر، والقامشلي، ومهاباد.
من هنا يمكن فهم سبب نظر كُرد سوريا وتركيا وإيران إلى كُردستان العراق كـ«درع واقٍ». فالإقليم، رغم كل ما يواجهه من أزمات داخلية وخلافات سياسية، يبقى الكيان الكُردي الأكثر رسوخاً من حيث الاعتراف الدستوري، والانفتاح الدولي، وامتلاك أدوات تفاوض حقيقية مع العواصم الكبرى. وجود هذا الكيان يمنح الكُرد في الدول الأخرى شعوراً بأن هناك سقفاً سياسياً أعلى يمكن الاستناد إليه، ونقطة ارتكاز تمنع تهميش قضيتهم بالكامل أو تصفيتها بسهولة.
ليس المقصود هنا دعماً عسكرياً مباشراً أو تدخلاً صريحاً، بل وظيفة رمزية واستراتيجية في آنٍ واحد. فكُردستان العراق يشكّل «نموذجاً ممكناً»: دليلاً على أن الكُرد قادرون على إدارة شؤونهم ضمن إطار إقليمي معقّد، ودون الانزلاق إلى الفوضى الشاملة. وهذا بحد ذاته يفرض على أنقرة وطهران ودمشق حسابات أكثر حذراً في تعاملها مع كُردها، خشية انتقال صيغة المطالبة بالحقوق أو الحكم الذاتي.
أما الولايات المتحدة وأوروبا، فتنظران إلى إقليم كُردستان من زاوية براغماتية بحتة. فالإقليم بالنسبة لواشنطن شريك موثوق نسبياً في منطقة مضطربة، وقاعدة استقرار يمكن التعويل عليها في ملفات مكافحة الإرهاب، وضبط التوازن مع إيران، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة. كما أن الإقليم، بخطابه الأقل عدائية تجاه الغرب، ينسجم مع الرؤية الغربية لدعم كيانات محلية مستقرة دون الذهاب إلى إعادة رسم الخرائط بشكل فوضوي.
أوروبياً، يبرز بُعد إضافي يتمثل في الهجرة والطاقة. فاستقرار كُردستان يعني تقليل موجات اللجوء، وفتح آفاق بديلة في سوق الطاقة بعيداً عن الاحتكارات التقليدية. لذلك، يحرص الأوروبيون على دعم الإقليم سياسياً واقتصادياً، ولو بحدود محسوبة، لضمان بقائه عاملاً موازناً لا شرارة صراع جديدة.
في المحصلة، لا تكمن أهمية إقليم كُردستان في قوته الصلبة وحدها، بل في موقعه الوظيفي داخل شبكة معقدة من التوازنات. إنه بيضة القبان التي إن مالت، اختلّ الميزان العراقي، ودرع رمزي وسياسي يحتمي به كُرد المنطقة، ونقطة ارتكاز تراهن عليها القوى الدولية كخيار أقل كلفة في شرقٍ أوسط لا يعرف الاستقرار الدائم.