التقاعد على ضفّة أخرى من العمر
هدير الجبوري
تاتي لحظة في حياة المرأة تجد نفسها فيها امام باب يغلق قسراً لا اختياراً. قرار اداري قاسي في وقعه تصدره الدولة يحدد موعد ابتعادها عن عملها، رغم انها ما تزال قادرة ومنتجة وممتلئة بالطاقة.
يقال لها ان وقت الراحة قد حان، بينما هي تشعر في اعماقها ان قدرتها على العطاء لم تبلغ نهايتها بعد.
سنوات طويلة عاشت على ايقاع واضح: صباحات تبدا مبكراً، مهام تنتظر، ومسؤوليات تمنحها الاحساس بان لها مكاناً ومعنى،، ثم فجاة يُطلب منها ان تتوقف، لا لأن جهدها انتهى، بل لان قانوناً جامداً قرر ان زمنها المهني قد اكتمل،،،، وهكذا يتحول الامتلاء الى فراغ، والحركة اليومية الى صمت ثقيل..اكثر ما يوجعها ليس انتظار التقاعد ذاته، بل كونه قراراً مفروضاً عليها بقسوة وهي في مرحلة ما زالت فيها قادرة على العمل والبذل.
تتسلل الى ذاكرتها صور بسيطة كانت تشكل روح يومها: مفاتيح المكتب التي تمسكها كل صباح بفرح برئ، رؤيتها ممرات عملها قرب غرفتها، ابريق الشاي الذي تملأه لتشرب كوبها الاول قبل ان تبدأ دوامها وهي في قمة نشاطها، تفاصيل صغيرة كثيرة كانت تبدو عادية لكنها اليوم تصبح ثمينة لديها،،
دخول زملائها والسلام عليها صباحاً مع عبارات الصدق والمحبة في كلامهم، تلك الألفة التي نسجتها السنين بينهم، الاحاديث السريعة، المزاح والضحكات الصادقة، الشعور بانها جزء من عالم حي يتحرك حولها،،، وفجاة تجد نفسها بعيدة عن كل ذلك، كمن انتزع من يومه قلبه النابض.
يظن البعض ان التقاعد إستراحة مستحقة، لكنها تكتشف انه في كثير من الاحيان إبعاد مبكر عن ميدان ما زالت تمتلك ادواته،،، فالقسوة ليست في التوقف، بل في ان يفرض عليها التوقف قبل ان تشعر هي بالحاجة اليه.
ومع الايام تبدأ الاسئلة: هل تقل قيمة الانسان حين يقل انشغاله؟ وهل يتحدد وجوده بعدد الساعات التي يقضيها خلف مكتبه؟
تدرك شيئا فشيئا ان المشكلة ليست في انتهاء مرحلة، بل في الفكرة التي تربط معنى الانسان بمنصب ومسمى وظيفي،،، فالقيمة الحقيقية لا تختصرها ورقة دوام ولا توقيع تقاعد.
هذه المرحلة الجديدة، رغم قسوتها، يمكن ان تكون بداية مختلفة لا نهاية حتمية. تفتح لها ابواباً كانت مؤجلة: وقتاً للذات، لهوايات قديمة، لاحلام صغيرة لم تجد مكاناً وسط زحام المسؤوليات.
تتعلم ان الحياة لا تتوقف بقرار رسمي، وان الشغف لا يحال الى التقاعد،، قد يتغير الدور ربما لكن القدرة على العطاء ستبقى.
يمكنها بعد أشهر قليلة أن تختار ايقاعها الخاص، وان تعيد ترتيب أيامها بمعنى جديد.
ليست هذه محطة أفول كما يظن الكثيرون وهي أولهم، بل منعطف اجباري تفرضه الانظمة لا الروح.
والمرأة التي عاشت سنواتها ممتلئة بالحيوية لن تقبل أن تتحول الى ظل على الهامش.
انها فقط تعبر الى فصل آخر من حياتها…
فصل ستكتبه هذه المرة بطريقتها، بعيداً عن اي قرار قسري…