الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأحياء والأموات .. تعايش الحاضر مع الذكريات

بواسطة azzaman

الأحياء والأموات .. تعايش الحاضر مع الذكريات

محمد خضير الانباري

 

في خضمِ حياتنا اليومية، نواجهُ تساؤلاتٌ عديدةٌ حولَ الأولويات: هلْ نهتمُ بمنْ همْ حولنا منْ الأحياء، أمْ نولي اهتماما لمنْ رحلوا وتركوا أثرهمْ في ذاكرتنا وقلوبنا؟ يبدو السؤالُ بسيطا، لكنهُ يخفي أعماقا فلسفيةً وروحية، تتقاطعَ فيها القيمُ الإنسانية، والدينية، والاجتماعيةَ فبينُ الحاضرِ الذي نعيشه، والماضي الذي نحمله، تنشأَ مسألةَ الاختيار: أيهما أحقّ بالاهتمام، الأحياءُ الذينَ يحتاجوننا اليوم، أمُ الأمواتِ الذينَ يتركونَ لنا ذكرياتهمْ وتاريخهم، إذ؛ يحتلونَ الأحياءُ والأموات- على حدٍ سواء- مكانةٌ خاصةٌ في قلوبِ البشر؛ فالموتى رحلوا بعدُ أنْ قدموا عطاءهم، تاركينَ وراءهمْ ذكرياتٍ خالدة، والأحياءُ يسيرونَ في دروبِ الحياةِ ليكملوا مسيرتهم، إلى أنْ يلتحقوا برفقائهمْ في النهاية.

  أنَ هذهِ سننُ الحياةِ التي سنها اللهُ سبحانهُ وتعالى، فالراحلُ تبقى سيرتهُ حيةً في القلوب، وإنْ ارتكبَ خطأ أوْ أخفق، فإنَ رحمهُ اللهُ أوسعَ منْ كلِ عيبا، ويغفرَ لمنْ يشاء، فالحياةُ بالنسبةِ للناسِ مزيجا منْ الصعوباتِ والفرص، مثلٌ الأشواكِ على الطريقِ والأنهارِ التي تجري نحوَ البحار، فيحددُ رزقُ كلِ شخصٍ بحكمةِ الله، وعلى الجميعِ قبولَ قدره، ولكنْ يبقى الجدُ والاجتهادُ أساسُ الحياةِ وركيزتها، فكلُ مسارٍ ينتهي في النهايةِ بإرادةِ الله، الذي بيدهِ الخلقَ والأمرَ كله، فحبُ الموتى غالبا، ما يتجسدُ في الوفاءِ والحنين، وفي الذكرى الجميلةِ التي نحفظها في قلوبنا.

إنَ هذا الحبِ ساكن لا يطالبنا بتغييرِ الواقع، ولا يحملنا مسؤوليةً فعلية، بلْ يبقى رمزا للوفاءِ والتقديرِ للماضي وقدْ عبرِ الإسلامِ عنْ هذهِ الحقيقةِ ببلاغة، حينُ قالَ أبو بكرْ الصديق- رضيَ اللهُ عنه- بعدٌ وفاةِ النبي محمدْ (ص) : "منْ كانَ يعبدُ محمدا، فإنَ محمدا قدْ مات، ومنْ كانَ يعبدُ اللهُ فإنَ اللهَ حي لا يموتُ " . مستشهدا بقولهِ سبحانهُ وتعالى: ( وما محمدْ إلا رسولٌ قدْ خلتْ منْ قبلهِ الرسل) آل عمران: 144. لذلك لا بدَ أنْ يكونَ حبا للأحياءِ أوْ الموتى، وكيفيةُ الربطِ بينهما، أوْ تفضيلِ أحدهما على الآخر.

لقدْ أكدَ العديدَ منْ الحكماءِ والفلاسفةِ هذا المعنى، فيرى (أرسطو ) : إنَ (الحبُ فعل لا إحساس فقطْ ) ، أيْ أنَ قيمتهُ تتجلى في الأفعالِ والسلوك، لا في المشاعرِ وحدها، ومنْ جهته، قالَ الفيلسوفُ (جانْ بولْ سارترْ ) : (أنَ الإنسانَ يكونُ مسؤولاً عما يحبُ ) ، ليبين أنَ الحبَ ليسَ شعورا عابرا، بلْ التزامُ ومسؤوليةُ تجاهَ الآخرين.

  أنَ حبَ الأحياء، أعمقَ وأصعبَ اختبارا، إذْ يتطلبُ صبرا ومثابرة، وقدرةٌ على المشاركةِ الحقيقيةِ في الأفراحِ والأحزان. لذلك، يمكنَ القولُ إنَ حبَ الأحياءِ أرقى وأولى بالفضل، فهوَ حبُ حيٍ يظهرُ في أفعالنا، يبنى منْ خلالهِ العلاقاتُ وتحفظَ بهِ القيم، أما حبُ الموتى، فمكانهُ الدعاء والوفاءِ والذكرى الطيبة، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ بهم. ولذا، تستحقَ الحياةُ أنَ نحبها بأفعالنا، وأنْ نعيشَ الحبُ بصدقٍ وإخلاص، لأنهُ وحدهُ يتركُ أثرا حقيقيا في القلوبِ والعالمِ منْ حولنا. نخلصُ منْ كلِ هذا؛ أنَ حبَ الأحياءِ هوَ استثمارٌ في الحاضرِ والمستقبل، يمنحَ الدفءُ والتفاعلُ الإنساني، بينما حبُ الموتى هوَ وفاءُ وذكرى جميلةً تحافظُ على إرثِ الراحلينَ وتأثيرهمْ في النفوس، كلاهما يمثلانِ جانبا منْ العاطفةِ الإنسانية، حيثُ يميلُ البعضُ لتخليدِ الذكريات، والبعضُ الآخرُ للتعايشِ معَ منْ حولهم، وبينما يتواصلُ الأحياء، يبقى حبُ الموتى روحيا.


مشاهدات 40
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/09 - 2:18 PM
آخر تحديث 2026/02/10 - 4:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 154 الشهر 7085 الكلي 13938729
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير