الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
منحة الفتات

بواسطة azzaman

منحة الفتات

عدنان أبوزيد

 

يبرز مشهد عراقي يثير الدهشة والأسى معاً: وزير يقف أمام عدسات الكاميرات، يزف بشرى كأنها فتح مبين أو انتصار تاريخي، معلناً اكتمال صرف منحة متواضعة للصحافيين والكتاب والأدباء والفنانين، لا تتجاوز  في أغلب فئاتها (خمسمائة دولار عراقي، وقد تكون أقل أو أكثر قليلاً حسب الفئة).

يُقدم الوزير، هذا العطاء الزهيد كإنجاز عظيم، بينما يتحول إلى ملحمة من التأجيلات والوعود المتكررة، تارة في طريقها إلى المصارف، وتارة تنتظرالإفراج، فيتساءل أصحاب القلم عن مصيرها كأنها كنز دفين في أعماق الدولة.

تبلغ السخرية ذروتها على وسائل التواصل، حيث يتبادل المثقفون أخبار التأخير أو الاقتراب، مصورين أنفسهم كمن يترقبون منّاً إلهياً.

أما السلطات، فتظهر كأنها توزع الصدقات على نخبة الكلمة والفكر، متناسية أن هؤلاء حماة الوعي، لا متسولين عند أبواب الرحمة الحكومية.

وتكمن المفارقة الأشد إيلاماً: بينما تُقدم هذه المنحة بالتوسل والانتظار المهين، تغدق الوزارة نفسها وجهات أخرى مئات الآلافبل الملايينمن الدولارات على مهرجانات شكلية، تستدعي كتاباً عرب وفنانين أجانب إلى فنادق فاخرة، تحت شعارات براقة للثقافة والفن، لكنها في جوهرها استعراضات فارغة، تبذر المال العام في الزينة والضيافة دون أثر حقيقي يُذكر.

فلماذا يسكت هؤلاء المثقفون عن هذا الإسراف الفاضح، ولا يرفعون صوتاً احتجاجاً على التبذير في تلك الفعاليات؟ هل هو الخوف الدفين من فقدان ذلك الفتات السنوي، الذي يصبح رباطاً يخنق الصوت ويقيد الكرامة؟.

وفي هذا السياق، ينشر كاتب معروف بشرىحسم الأمركأنه يعلن نصراً تاريخياً، ويشكر آخرون الوزير علناً علىالعطاء العظيم”.

أليس هذا تناقضاً يعري النفاق السائد؟ فمعظمهم يتقاضى رواتب وظيفية أو تقاعدية كريمة نسبياً، فلماذا يقبلون بدور المهانين، ولماذا يرضى الوزيرالذي يدّعي تمثيل الثقافةبصورة المانح السخي لفتات يُقدم كإنجاز، في دعاية شخصية فجة لا تخفى على أحد؟.

ولو تخلت الوزارة وجهات ممولة أخرى، عن مهرجان استعراضي واحد فقط، لوفرت أضعاف هذا المبلغ الزهيد، يُمنح لأصحاب القلم بكرامة دون تذلل أو انتظار.

 لكن في بلد اختلطت فيه السياقات، وتبدلت المواقف، وتشابكت النيات، تبقى مثل هذه الاقتراحات أحلاماً بعيدة.

إن الكاتب الحقيقي لا يتسول، بل يبني الوعي ويعري الزيف، محافظاً على كرامته كما يحافظ على قلمه.

 


مشاهدات 32
الكاتب عدنان أبوزيد
أضيف 2026/02/04 - 1:40 PM
آخر تحديث 2026/02/05 - 2:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 3172 الكلي 13934816
الوقت الآن
الخميس 2026/2/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير