ما جدوى الديمقراطية المشروطة بالموافقات الخارجية
رشيد العجيل
بين خيار الصندوق و"فيتو" الخارج: سيادة العراق في ميزان الديمقراطية. في مشهد سياسي يزداد تعقيداً، يجد العراق نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي ليس فقط لقدرته على تشكيل حكومة جديدة، بل لمدى صمود سيادته الوطنية أمام التدخلات الدولية. لقد أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير وتهديده بقطع المساعدات في حال اختيار نوري المالكي لرئاسة الوزراء، موجة عارمة من التساؤلات حول جدوى الديمقراطية إذا كانت نتائجها تخضع لـ "موافقة" القوى الخارجية.
السيادة الوطنية: حق لا يقبل القسمة
بغض النظر عن التوجهات السياسية أو الإجماع الوطني على شخصية السيد نوري المالكي أو غيره من القيادات الحزبية ، فإن المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الدول الحديثة هو احترام الإرادة الشعبية. إن الدستور العراقي والعملية السياسية التي ولدت بعد عام 2003، تعطي الكتلة النيابية الأكبر التي أفرزتها صناديق الاقتراع الحق الحصري في تسمية مرشحها لرئاسة الوزراء. إن أي تهديد خارجي يهدف لفرض "فيتو" على أسماء معينة لا يُعد مجرد رأي سياسي، بل هو تجاوز خطير على حق الشعب العراقي في تقرير مصيره.
ديمقراطية مشروطة أم إرادة شعبية؟
من المفارقات العجيبة أن تنادي القوى الدولية بالديمقراطية وتدعم إجراء الانتخابات، ثم تأتي لترفض نتائج تلك الانتخابات عندما لا تتوافق مع مصالحها الجيوسياسية. إن الديمقراطية "حزمة واحدة"؛ فإما أن نقبل بحق الأحزاب المتصدرة في الحكم، نحبهم أو نكرههم، وإما أن نعلن صراحة أن الصناديق ليست سوى واجهة لديكتاتورية دولية مغلفة.
"إن احترام السيادة الوطنية هو الركن الأساسي لبناء الدولة، وعملية تشكيل الحكومة شأن سيادي خالص يقرره العراقيون وحدهم وفق الاستحقاقات الدستورية."
ردود الأفعال والمسؤولية الوطنية
لقد انقسمت بعض الشخصيات العربية والعراقية في آرائها، حيث رأى البعض ضرورة "الواقعية السياسية" لتجنب الصدام مع الإدارة الأمريكية. لكن "الواقعية" لا تعني التفريط بالكرامة الوطنية. إن قيام شخصيات محلية بتبرير هذا التدخل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من "الوصاية" التي قد لا تنتهي عند اسم رئيس الوزراء، بل قد تمتد لتشمل أصغر مفاصل الدولة.
خاتمة
على القوى السياسية العراقية، بمختلف ألوانها، أن تدرك أن التنازل عن حق اختيار رئيس الوزراء تحت وطأة التهديد الخارجي سيجعل من أي حكومة قادمة -مهما كانت كفاءتها- حكومة ضعيفة فاقدة للشرعية الشعبية.
إن الطريق إلى عراق مستقر يبدأ من احترام نتائج الانتخابات والتمسك بالآليات الدستورية، فالديمقراطية تعني القبول بخيار الأغلبية، وانتظار الدورة الانتخابية القادمة لمن يريد التغيير.