الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حبيبتي.. جمال الحب في جنونه

بواسطة azzaman

كلام أبيض

حبيبتي.. جمال الحب في جنونه

جليل وادي

 

أضحك من كل قلبي مرة، وأتحسر عشرات المرات، على ذلك الشوق الحار الذي يبدو انه تلاشى اليوم، بسخرية أنظر للعاشقين النائمين ملء جفونهم بعد ان شبعوا من رؤية المحبوب بمواقع التواصل، بينما كان القمر أنيسنا في ليالي الصيف المقمرات، وليالي الشتاء الموحشات الطويلات، قبل بزوغ الفجر يقفز القلب مشتاقا لرؤياك، ينتظر عند الباب كحارس متيقظ لعله يظفر بنظرة حتى ولو من بعيد، فأشعر بازدياد دقات القلب، وقشعريرة غريبة تدب في الجسد كمن مسكته (الباردة) التي تعرفين.

ياه، كبير هو الفرق بين حب الأمس وحب اليوم، عذريا كان حبنا، وبلا شوق حبهم، لقد قتلت مواقع التواصل ذاك الشوق الذي كان يملأ القلوب، أجزم ان الحب بلا شوق كجسد ميت. فالحب حبيبتي هو الشوق العارم الذي ينتابنا، نفتعل المعقول واللامعقول لتخفيف اوار حرائقه، ولا نعير بالا لمن وصفنا بالجنون، وقتها أدركنا لِمَ هام على وجهه في البراري شاعرنا قيس بن الملّوح، فوصفته الناس بمجنون ليلى، وهذا ما بدده الفيسبوك والواتساب وغيرهما.

أتذكرين حبيبتي عندما كنا نبتكر الحيل الغريبة لتبادل الرسائل بيننا، أتذكرين مكاتيبي التي ليس فيها سوى كلمة أحبك او مشتاق اليك، او نرتب خروجا متزامنا من البيت لنر بعضنا من بعيد؟. يا لها من حرقة تلك التي تُشعل القلب عندما يحين موعدنا وتتأخرين، او يحدث طاريء فلا تخرجين، يتعذر عليّ وصف الانكسار والاحباط  الذي يعتريني.

ويوم جمعنا بيت الحب بعد سنين مضنيات شوقا، وخوفا من لعبة الاقدار القذرة، ويوم اللقاء كان الحب أكبر بكثير مما قاسيناه، فاستقر قلبانا، وصار غزلنا مباشرا، بلا ورق يعبر الجدران، او الاستعانة بكاتمي الأسرار، او التختل بعيدا عن عاداتنا وتقاليدنا التي ترى في الحب عيبا، وفي العشق انتهاكا، يقضي عشقنا جميع أزمنته خلسة، يتوارى عن الانظار دوما، لا أدري كيف صار الحب في ديارنا أقرب الى الحرام. واليوم كسرت مواقع التواصل الاجتماعي أغلب الأطواق، وأحرقت جميع مخالب العوسج القاسية التي وضعوها على الأسيجة، فانتصر الحب، وفضاؤه صار واسعا، وصوره لا تحصى، ولياليه بلا حدود، نعم ما زال يخاتل ويراوغ، لكنه غدا متاحا، ولا أحد بمقدوره كتم صوته.

وتجدد الشوق ثانية يوم لفتنا العسكرية بنطاقها البلاستيكي الصلد، وصرنا بالدموع نودع بعضنا، وبالكآبة نغادر حجرة الحب، ليس في حقائبنا سوى صورة الحبيبة وما أحضرته من (كليجة) محسوبة على عدد الأيام الثمانية والعشرين التي سنقضيها بعيدا عنها، ولكي أتذكرك باستمرار كنت أتناول واحدة في الصباح وأخرى بعد الظهر وثالثة قبل النوم، وكأني أحتسي دواء مرض مزمن، وليس في بالي الا موعد الاجازة لأراك لمدة خمسة أيام فقط، وأعود ثانية الى الفاو، تلفحني ريحه السموم وحرارته الشديدة، وكأن الشمس قد غادرت منزلها لتحط بالقرب من الأرض، وعليك أن تنحني لتمر من تحتها ، فتيبست وجوهنا ولم تنفع معها المراهم، فكيف سأقبلك بشفاه متيبسة، ووجه قشرته الحرارة، كم كنت بحاجة لأسمع همساتك، وأرى وجهك الباسم، كنت متشوقا لإكرر على مسامعك كلمة احبك، فالموت أراه يدنو مني، وتتساقط شظاياه على وحدتنا العسكرية، ولكي لا أقلقك أخبرتك ان وحدتي في مدينة الديوانية البعيدة عن الجبهة وليس في الفاو. تخيلي كيف هو حالنا  لو كانت مواقع التواصل موجودة آنذاك.

أراوغ كذبا وانا أخفف على صاحبي حزنه، اذ بات يشك ان حبيبته قد نسيته، فيعيد الاستماع مرارا في جهاز (الكاسيت) الصغير لأغنية نجاة الصغيرة (نسي) الذي حبك لحنها بمشاعر جياشة المبدع بليغ حمدي في العام (1972)، فظن ان رسائله التي يبعثها مع المجازين الى حبيبته قد تخطيء العنوان، حزنت لوجهه الذابل، ولم تنفع توسلاتي بآمر وحدتنا لاستبدال اجازتي القريبة باجازة صاحبي، العسكرية بلا مشاعر، هذا ما انتهيت اليه.

واليوم، وقد طرقت الشيخوخة بابنا، ومواقع التواصل وصلت الى سرير النوم، فأعدمت الشوق في مهده، اقول لك حبيبتي: كم حنيني الآن كبيرا لذلك الشوق، فبدونه لا جنون في الحب، بينما جمال الحب في جنونه.

 

jwhj1963@yahoo.com


مشاهدات 76
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/01/31 - 2:49 PM
آخر تحديث 2026/02/01 - 8:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 277 الشهر 277 الكلي 13931921
الوقت الآن
الأحد 2026/2/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير