الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الغاز المصاحب في العراق.. طاقة مؤجَّلة تقتل فرصًا حقيقية

بواسطة azzaman

الغاز المصاحب في العراق.. طاقة مؤجَّلة تقتل فرصًا حقيقية

علياء حسين الموسوي

 

يُعدّ الغاز المصاحب أحد أكثر الموارد المهدورة في الاقتصاد العراقي، رغم كونه ثروة استراتيجية قادرة على إحداث تحوّل جذري في قطاعات عديدة (الطاقة، والصناعة، والبيئة، والتنمية المستدامة) فبينما يمتلك العراق واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لا يزال يحرق كميات هائلة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، محوِّلًا فرصة اقتصادية وتنموية حقيقية إلى خسارة مركّبة ذات أبعاد مالية وبيئية واجتماعية.

حرق الغاز: نزيف اقتصادي صامت

وفق بيانات دولية، يُصنَّف العراق ضمن أعلى الدول في العالم من حيث حرق الغاز المصاحب. هذا الحرق لا يعني فقط إهدار مورد طاقي ثمين، بل يعني أيضًا خسارة مليارات الدولارات سنويًا، كان يمكن أن تُستثمر في الكثير من المجالات كتوليد الطاقة الكهربائية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، دعم الصناعات البتروكيمياوية والأسمدة، توفير فرص عمل مستدامة وتعزيز إيرادات الدولة غير النفطية.

المفارقة المؤلمة أن العراق يستورد الغاز في الوقت الذي يحرق فيه غازه محليًا، ما يعكس خللًا هيكليًا في التخطيط والسياسات التنفيذية، لا في توفر الموارد.

ولهذا الامر أبعاداً بيئية وصحية خطيرة لا يقتصر أثر حرق الغاز على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشكل تهديدًا مباشرًا للبيئة والصحة العامة. فالانبعاثات الناتجة عن الحرق تسهم في:

* تلوث الهواء وارتفاع نسب الأمراض التنفسية

* زيادة البصمة الكربونية للعراق

* الإضرار بالزراعة والمياه والتنوع البيئي وفي عالم يتجه بقوة نحو معايير الاستدامة وخفض الانبعاثات، فإن استمرار هذا السلوك يضع العراق في موقع متأخر على خارطة الالتزامات البيئية الدولية. وهنا يتراود في اذهاننا العديد من الاستفسارات:

لماذا تأخر استثمار الغاز المصاحب؟

رغم وضوح المشكلة منذ سنوات، إلا أن المعالجة ظلت بطيئة ومتقطعة. ويمكن تلخيص أبرز الأسباب في:

تداخل صلاحيات

ضعف الحوكمة وتداخل الصلاحيات المؤسسية

* غياب رؤية متكاملة للطاقة تربط النفط بالغاز والكهرباء

* تحديات تعاقدية وتمويلية

* الاعتماد التاريخي على النفط الخام كمصدر شبه وحيد للإيرادات

هذه العوامل مجتمعة جعلت الغاز المصاحب ملفًا مؤجلًا، رغم كونه الأقل كلفة والأسرع عائدًا مقارنة بمشاريع طاقة أخرى.

وهنا وجب ان نقول ان الغاز المصاحب ممكن ان يصبح مدخلاً للتحول الاقتصادي ولكن كيف؟

يمثل استثمار الغاز المصاحب فرصة استراتيجية تتجاوز قطاع الطاقة، ليكون مدخلًا حقيقيًا للتحول الاقتصادي في العراق. فنجاح هذا الملف يعني:

* تحسين أمن الطاقة الوطني

* دعم الشمول المالي والاستثماري عبر مشاريع صناعية كبرى

* تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين

* خلق سلاسل قيمة مضافة داخل الاقتصاد العراقي

كما أن ربط مشاريع الغاز المصاحب بمبادئ الحوكمة، والاستدامة، ومعايير ESG، سيمنح العراق موقعًا أفضل في الأسواق التمويلية الدولية. الخلاصة: من طاقة مهدورة إلى قرار سيادي

الغاز المصاحب في العراق ليس مشكلة تقنية بل اختبار حقيقي للإرادة الاقتصادية والإدارية. فالتحول من الحرق إلى الاستثمار يتطلب:

* قرارًا سياديًا واضحًا

* إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا محفزًا

* شراكات ذكية مع القطاع الخاص

* ربط الملف بأهداف التنمية المستدامة

إن استمرار هدر الغاز المصاحب يعني استمرار قتل فرص حقيقية كان يمكن أن تغيّر وجه الاقتصاد العراقي. أما استثماره، فهو خطوة أساسية نحو عراق أكثر استدامة، وأقل اعتمادًا، وأكثر قدرة على تحويل ثرواته الطبيعية إلى رفاه حقيقي لمواطنيه.

 

 

 


مشاهدات 79
الكاتب علياء حسين الموسوي
أضيف 2026/01/31 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/02/01 - 8:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 277 الشهر 277 الكلي 13931921
الوقت الآن
الأحد 2026/2/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير