حين تفضح الأيام الحقيقة
نوري جاسم
نعيش في زمان صاخب، تتداخل فيه الأصوات، وتكثر فيه الادعاءات، ويصعب أحياناً التمييز بين الحقيقي والمصطنع. زمان لا يمنح ثقته بسهولة، ولا يكشف أسراره بسرعة، لكنه في النهاية عادل بطريقته القاسية، إذ يختبر صدق الرجال لا صخبهم، ويمتحن الأفكار بقدرتها على خدمة الناس لا بعدد من يرفعونها في الشعارات. وفي هذا الزمان، لم تعد الكلمات وحدها كافية، ولم يعد الادعاء بالوطنية أو الإصلاح ضمانة لشيء. المعيار الحقيقي أصبح الأثر، ما الذي تركته الفكرة في حياة الناس، وما الذي غيرته في واقعهم، وما الذي أضافته إلى وعيهم وأمانهم وكرامتهم. فالتاريخ لا يحتفظ بالضجيج، بل يسجل بهدوء أسماء من عملوا بصمت، وتركوا أثراً صادقاً لا يحتاج إلى دعاية. والزمن كفيل بفرز العابر من الباقي، وهذه من حكمته التي لا تخطئ. فكم من شخص لمع نجمه سريعاً ثم اختفى، وكم من فكرة برزت على أنها خلاص فإذا بها عبء جديد، وكم من صوت علا ثم سقط حين انكشف خواؤه. وفي المقابل، بقيت كلمات قليلة صادقة، ومواقف بسيطة، وأعمال خالية من الاستعراض، لأنها انطلقت من إحساس حقيقي بالمسؤولية تجاه الناس. وإن الكتابة في هذا الزمان مسؤولية مضاعفة، لأنها إما أن تكون جزءاً من الضجيج، أو محاولة جادة لفهم اللحظة ومساءلتها. والكاتب الحقيقي هو من يختار أن يقف إلى جانب الإنسان، لا إلى جانب الموجة، وأن يكتب للمستقبل لا للحظة، مدركاً أن الكلمة الصادقة قد تتأخر في الوصول لكنها حين تصل تترك أثراً عميقاً لا يمحوه الزمن. وهذا زمان لا يرحم الزيف، لكنه ينصف الصدق مهما طال الانتظار. وما يبقى في النهاية ليس عدد المتابعين ولا حجم التصفيق، بل ذلك الأثر الصامت الذي تتركه الفكرة حين تكون مع الناس، ومن أجلهم، ومنحازة لكرامتهم قبل أي شيء آخر. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..