الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف نعيش بلا معنى؟


كيف نعيش بلا معنى؟

نوري جاسم 

 

لا يبدأ فقدان المعنى بصخبٍ أو انهيارٍ واضح، بل يبدأ همسًا خفيفًا في الداخل، إحساسًا غامضًا بأن الحياة تمضي بينما نحن لا نرافقها حقًا. كأننا نحضر المشهد دون أن نكون جزءًا منه، نتحرك داخل الأيام لكننا لا نسكنها. المعنى لا يغيب فجأة، بل ينسحب ببطء، مثل ضوء يتراجع عند الغروب، حتى نجد أنفسنا في عتمة مألوفة لا تخيف، لكنها تُفرغ كل شيء من ثقله ودفئه. أن نعيش بلا معنى لا يعني أن حياتنا فارغة من الأحداث، بل فارغة من الاتجاه. ننجز، نستهلك، نكرر، ننجح أحيانًا ونفشل أحيانًا أخرى، لكن السؤال الذي كان يمنح كل ذلك قيمته يتلاشى: لماذا؟ لماذا ننهض كل صباح؟ لماذا نتحمل؟ لماذا نفرح أو نحزن؟ حين يغيب هذا السؤال، تصبح الحياة سلسلة أفعال بلا روح، وحركة بلا مقصد، ووجودًا يؤدي وظائفه دون أن يشعر بنفسه. وفي عالمنا المعاصر، لم يُقتل المعنى بالقسوة فقط، بل بالسرعة. كل شيء يمرّ سريعًا إلى درجة لا تسمح له بأن يُفهم أو يُعاش بعمق. لا وقت للتأمل، لا فسحة للصمت، لا شجاعة للتوقف. نحن ننتقل من مهمة إلى أخرى، ومن رغبة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، حتى تفقد التجربة الإنسانية قدرتها على الترسب في الداخل. المعنى يحتاج بطئًا، يحتاج حضورًا، يحتاج أن نمنح الحياة فرصة لأن تترك أثرها فينا، لا أن تمر بنا مرور العابر. ونعيش بلا معنى حين تتحول الحياة إلى مشروع خارجي كامل، بينما الداخل مهمل. نعتني بالصورة، بالمكانة، بالانطباع الذي نتركه، وننسى السؤال الأهم: ماذا نترك في أنفسنا؟ نربح أشياء كثيرة ونخسر أنفسنا بهدوء. أخطر أشكال الخسارة هي تلك التي لا تُعلن عن نفسها، والتي تُدار تحت مسمى النجاح، والاستقرار، والتكيف مع الواقع. وحين يغيب المعنى، لا تختفي القيم فورًا، بل تتحول إلى ألفاظ. نتحدث عن الأخلاق دون أن نشعر بثقلها، وعن الإيمان دون أن نختبر دفئه، وعن الإنسانية دون أن نلمس هشاشتها فينا وفي الآخرين. يصبح الإنسان قادرًا على قول كل شيء، لكنه عاجز عن الإحساس الحقيقي بأي شيء. هنا يبدأ الجفاف الداخلي، حيث لا الألم عميق ولا الفرح صادق، بل كلاهما عابر، سريع الزوال، بلا أثر طويل. والعيش بلا معنى يجعل الإنسان هشًا من الداخل حتى لو بدا قويًا من الخارج. أي صدمة صغيرة، أي فقد، أي خيبة، تصبح كافية لخلخلته، لأنه لا يملك جذورًا داخلية تعيد توازنه. المعنى ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية؛ هو ما يجعل الإنسان قادرًا على الاحتمال، على الصبر، على الاستمرار دون أن يتحول إلى كائن ساخط أو بارد أو عدمي. وكثير من القسوة التي نراها اليوم ليست شرًا أصيلًا، بل فراغًا لم يجد لغة أعمق من العنف. وكثير من اللامبالاة ليست انعدام ضمير، بل تعبًا من حياة لم تعد تُشبه صاحبها. حين لا يجد الإنسان معنىً يحتضنه، يبحث عن بدائل: ضجيج دائم، انغماس مفرط، تشدد، أو انسحاب كامل من الإحساس. كلها محاولات يائسة لملء فراغ لم يُعترف به. والمعنى لا يُمنح من الخارج، ولا يُفرض بقوة الخطاب، ولا يُستعار من الآخرين. هو نتاج علاقة صادقة بين الإنسان ونفسه، وبين أفعاله وقيمه، وبين حياته وسؤاله الداخلي. لا يولد المعنى من إجابة جاهزة، بل من استعداد دائم للسؤال، ومن شجاعة مواجهة الذات دون أقنعة. أن تعيش بمعنى لا يعني أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف لماذا تختار ما تختار، ولماذا ترفض ما ترفض، ولماذا تتحمل ما تتحمل. ونعيش بلا معنى حين نخون أنفسنا على دفعات صغيرة، حين نصمت حيث يجب أن نتكلم، ونساير حيث يجب أن نقف، ونؤجل ذواتنا إلى وقتٍ قد لا يأتي. كل تنازل غير واعٍ عن القيمة يقتطع جزءًا من المعنى، حتى نصحو يومًا وقد صرنا غرباء عن أنفسنا، نعيش حياة لا نعرف متى اخترناها ولا لماذا بقينا فيها. والمعنى لا يجعل الحياة سهلة، لكنه يجعلها مفهومة. لا يلغي الألم، لكنه يمنحه سياقًا، ولا يمنع الانكسار، لكنه يحفظ للإنسان كرامته الداخلية وهو ينكسر. من يعيش بلا معنى لا يتألم فقط، بل يضيع ألمه، ومن يعيش بمعنى يعرف حتى كيف يتألم دون أن ينهار. وفي النهاية، ليس السؤال كيف نعيش بلا معنى، فالكثيرون يفعلون ذلك كل يوم، بل إلى متى يستطيع الإنسان أن يستمر في هذا الفراغ دون أن يفقد شيئًا جوهريًا من إنسانيته. المعنى ليس إجابة نهائية، بل علاقة حيّة مع الحياة، وإذا انقطعت هذه العلاقة، بقي الجسد حيًا، لكن الروح تدخل في صمت طويل يشبه الغياب، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

 


مشاهدات 136
الكاتب نوري جاسم 
أضيف 2026/01/17 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/01/18 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 37 الشهر 13010 الكلي 13120433
الوقت الآن
الأحد 2026/1/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير