الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مبدأ عدم التدخل في العصر الحديث: فنزويلا نموذجًا"

بواسطة azzaman

مبدأ عدم التدخل في العصر الحديث: فنزويلا نموذجًا"

محمد خضير الانباري

 

نحن نتابع ما يمكن وصفه بالقرصنة الأميركية، المتمثلة في اختطاف الرئيس الفنزويلي ( نيكولاس مادورو) من داخل بلده خلال الأيام الماضية، وما تبع ذلك من ردود فعل وطنية ودولية ، على هذا الحدث الصادم. إن ما جرى لا ينتمي إلى منطق العصر الحديث، بل يعيد إلى الأذهان ممارسات عصور الظلام، لا القرون الوسطى فحسب، بل حتى زمن اكتشاف “العالم الجديد” وما رافقه من إبادة للسكان الأصليين من الهنود الحمر وغيرهم.  تتكرر اليوم الأساليب ذاتها، لكن بوسائل أكثر تطورًا؛ إنزال جوي، تعطيل الأنظمة الدفاعية، توظيف الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وكل ما تحمله التكنولوجيا الحديثة من مسميات، لتنتهي العملية باقتياد الرئيس المخطوف، مكبل اليدين مع زوجته، في مشهد استعراضي فاضح شاهده العالم عبر شاشات التلفاز، وتناقلته الصور من زوايا متعدد، ليست فيه ذرة من الأخلاق الشخصية أو الدولية.

 هذا الحدث الدولي المهم؛ أعاد إلى ذاكرتي عام 2011، حين كنت منهمكًا في إعداد رسالة الماجستير في بيروت بعنوان ( مبدأ عدم التدخل واستثناءاته في القانون الدولي المعاصر)، وهو العنوان الذي اختاره لي أستاذ القانون الدولي اللبناني الدكتور محمد المحذوب– رحمه الله – ، الذي كان في الوقت نفسه المشرف على رسالتي، وأحد روّاد القانون الدولي في العالم العربي، ومن أوائل الأساتذة الذين نالوا شهادة الدكتوراه من فرنسا في خمسينيات القرن الماضي.

  ما أمتع تلك المرحلة الدراسية، وأنا أناقش قامة من قامات القانون الدولي العربي، في كل فرع أو مطلب أو مبحث أو فصل، وأقدّم له مسودات بحثي الواحدة بعد الأخرى ، بما أكتبه حول هذا المبدأ الجوهري في القانون الدولي، ذلك المبدأ الذي وُجد لحماية الجميع من تغوّل الأشرار وصون الإنسانية، لكنه اليوم يُنتهك من القوي قبل الضعيف، ومن المجرم الدولي ضد الفقير الوطني، كان- رحمه الله- يمسك قلمه الأسود،  بيده الكريمة ، ويشرع في التصحيح وكتابة الملاحظات، شارحًا ومفصّلًا، الأسس التي يقوم عليها القانون الدولي، كما كرّسها ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته وعدد من مواده، ولا سيما المادتين (2/4) و(51)، فضلًا عن الفصلين السادس والسابع، مبينًا آليات تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، أو اللجوء إلى التدابير القسرية المشروعة كالعقوبات الاقتصادية في أقصى الظروف، وهي جميعها مسائل وثيقة الصلة بموضوع رسالتي حول مبدأ عدم التدخل ، مع ذلك كله، لم أجد في أي من هذه النصوص القانونية أو المبادئ ، ما يبرر الخطف أو الاعتقال أو الإنزال الجوي لاختطاف رئيس دولة مستقلة عضوة في الأمم المتحدة، كما وقع مع الرئيس الفنزويلي. فهذا الأمر لا يمت بصلة إلى القانون الدولي. وأقصى ما يمكن أن يُترتب على تمرد دولة ما ضد أحكام القانون الدولي هو تطبيق عقوبات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كما طبقت على العراق نتيجة تهور وغرور قيادته السياسية، آنذاك، واعتمادها على القوة والسلاح، وهما أداتان فقدتا أهميتهما في عصرنا الحالي أمام منظومات التسليح الحديثة، من صواريخ متطورة وطائرات مسيّرة. هذا هو القانون الدولي، وحدوده واضحة، وما جرى في فنزويلا، يتجاوزها تمامًا.

لقدْ أخذَ القانونُ الدوليُ مسارُ انحدار، وتراجعَ احترامهِ نتيجةَ عدمِ التزامِ الدولِ الموقعةِ على الميثاقِ بهِ منذُ عامِ 1945 في نيويورك وتحولتْ بعضَ الدولِ الكبرى إلى ما يشبهُ العصاباتِ الخارجةَ على القانون، لا يمكنُ ردعها إلا بإرادةِ ربِ العالمين، الذي قدرَ لها أنْ تتصارعَ فيما بينها على مصالحها، وتحترقَ بنيرانها، لعلَ البشريةَ تنجو منْ شرورها. لقدْ فقدتْ الأخلاقُ والقيم، وطغتْ المصالح، وهيمنتْ شريعةُ القوةِ على سلوكِ الدولِ الكبرى. فماذا تقولُ أوروبا اليومِ عنْ التصرفِ الأمريكيِ بحقِ الرئيسِ الفنزويلي؟ وهلْ سيجتمعُ مجلسُ الأمنِ ليقررَ تطبيقَ عقوباتِ الفصلِ السابعِ على الولاياتِ المتحدةِ كما فعلَ معَ العراقِ في تسعينياتِ القرنِ الماضي بعدَ غزوِ الكويت؟ وهلْ يمكنُ أنْ تطردَ أمريكا منْ الأممِ المتحدةِ أوْ ينقلُ مقرها إلى دولةٍ محايدةٍ في آسيا أوْ إفريقيا أوْ أوروبا؟ الجوابُ واضح: كل. فالمصالحُ متشابكة، ولا يتجاوزُ موقفَ الدولِ حدودَ الاستنكارِ والشجبِ واتهامٍ المخالفةِ للقانونِ الدولي، وما شابهَ ذلكَ منْ مواقفَ شكلية. هذا هوَ عالمنا اليوم؛ عالم باتَ بحاجةِ إلى تدريسِ مادةٍ دوليةٍ جديدة، لا تقومُ على مفهومِ القانونِ الدولي، بلْ على ما يمكنُ تسميتهُ ب «قانونَ الطغاةِ » ، حيثُ لا حياةً إلا للقوة. وفي النهاية، يمثلَ احترامُ مبدأِ عدمِ التدخلِ ركيزةً أساسيةً لتحقيقِ الاستقرارِ والتعايشِ السلميِ بينَ الأمم.


مشاهدات 193
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/01/10 - 1:24 AM
آخر تحديث 2026/01/10 - 10:50 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 794 الشهر 7370 الكلي 13114793
الوقت الآن
السبت 2026/1/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير