الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جلستْ في مقهى ( براغْ – سلافيا- الجواهري )    


جلستْ في مقهى ( براغْ – سلافيا- الجواهري )    

محمد خضير الانباري

 

  شاءتْ الظروفُ أنْ أسافرَ في الصيفِ الماضي إلى بعضِ الدولِ الأوروبية، وكانتْ منْ بينها العاصمةُ التشيكيةُ براغْ وما أنْ وطئتْ قدمايَ المدينةَ حتى خطرٍ في بالي أنْ أزورَ المقهى الذي كانَ يرتادهُ شاعرنا الكبيرُ محمدْ مهدي الجواهري. وبالفعل، جلستْ تحتَ صورتهِ إلى إحدى الطاولات، واحتسيتُ فنجانا منْ القهوةِ اللذيذةِ معَ قطعةٍ منْ الكعك، في مكانٍ يطلُ على نهرِ الفلتافْ الذي أحبهُ الجواهري وذكرهُ في قصائده. هناك، استعدتْ صورتهُ وهوَ يخطُ أبياتهُ ويرسلها إلينا، فنلتقطها بشغف، ونتأملُ كيفَ كانَ يصفُ أيامهُ في براغ، تلكَ العاصمةِ الجميلةِ التي احتضنتْ غربتهُ وألهمتْ شعره.

  أن منْ أبرزِ أهدافِ رحلتي السياحيةِ إلى هذهِ المدينةِ، كانت زيارةَ مقهى سلافيّ (Caf é Salvia)       المقهى الذي ارتبطَ باسمِ شاعرنا الكبيرِ الراحلِ محمدْ مهدي الجواهري، إذْ كانَ منْ الأماكنِ المفضلةِ لديهِ خلالَ إقامتهِ التي امتدتْ لأكثرَ منْ ثلاثينَ عاما في التشيك، منها سبعُ سنواتٍ في العاصمةِ براغْ يعودُ المقهى منْ المعالمِ السياحيةِ المهمةِ ويستحقَ الزيارةَ لما يتمتعُ بهِ منْ أجواءٍ تاريخيةٍ مميزة، فضلاً عنْ فرصةِ تذوقِ القهوةِ على إطلالةٍ ساحرةٍ لنهرٍ (فلتافْا) ، الذي لا يبعدُ سوى أمتارٍ قليلةٍ عنه. التقطتْ هناكَ عددا منْ الصور، منْ بينها صورةٌ تجمعني بصورةِ شاعرنا المعلقةَ على أحدِ جدرانه، إلى جانبِ صورِ نخبةٍ منْ الأدباءِ والمفكرينَ الذينَ اعتادوا ارتياده.

  لقدْ شكلَ المقهى في تلكَ الحقبةِ ملتقى ثقافيا بارزا للأدباءِ والمثقفين، ويعدَ منْ أقدمَ وأشهرَ مقاهيَ العاصمةِ (براغْ ) ، إذْ تأسستْ عامَ 1881 ويتميزُ بموقعهِ المطلِ مباشرةِ على نهرِ( فلتافا). ارتبطَ اسمُ المقهى بالشاعرِ الكبيرِ محمدْ مهدي الجواهري، حتى غدٍ أحدِ معالمِ سيرتهِ وذاكرتهِ الشعرية. هناك، بينَ جدرانهِ الدافئةِ ورائحةُ القهوةِ المتصاعدة، خطُ بعضٍ منْ أجملِ قصائده، وجعلهُ ملاذا آمنا حينَ ضاقتْ بهِ الأوطان، ففرَ منْ ملاحقاتِ النظامِ السياسيِ السابقِ ليحتميَ بمدينةٍ احتضنتهُ بسلامها وطمأنينتها. في تلكَ المدينةِ الساحرة، براغ، أمضى الجواهري سنواتٍ مديدةً منْ عمره، صاغَ خلالها غربتهُ شعرا، ونسجا منْ حنينهِ قصائدَ خالدة. لقدْ أسرتهُ بجمالها الأخاذِ وسحرها الهادئ، وأنشدَ لها، ولأفقها المفتوح وناسها الطيبينَ قصائدَ متعددة، منها.

يا عاصمةَ براغَ لستُ أُحابي ..........    فيكِ الجمالَ ولا أقولُ مجاملةْ     

لكِ في الفؤادِ من المحبةِ موضعٌ  .......   ما كانَ يشغلهُ سوى بغدادِ لي

وأنا أدوّن هذه السطور، وقعت عيني على إعلانٍ باهتٍ يتوشّح بلافتة «الذكاء الاصطناعي»، بينما هو في جوهره افتقارٌ فادحٌ إلى الذكاء، وإسفافٌ لا يراعي الذوق العام ولا يحترم قيمة الفن. المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الفتاة التي ظهرت في الإعلان، فهي مجرّد أداة تنفيذ، وإنما تتحمّلها الشركة المنتجة والمخرج اللذان أعدّا محتوى يفتقر إلى الحسّ الثقافي والبصيرة الجمالية. لقد اختُزل عمودٌ شعريٌّ رصين للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري إلى وسيلة دعائية عابرة لتسويق الشاي، في صورةٍ هزيلةٍ لا تليق لا بالنص ولا بصاحبه. أيكون ذلك قصورًا في الثقافة؟ أم ضعفًا في الوعي الأدبي؟ أم خللًا في منظومة القيم التي تفصل بين الإبداع الرفيع والاستهلاك التجاري؟ لعلّها جميعًا احتمالات واردة، غير أنّ النتيجة واحدة: انتقاصٌ من التراث، وتسطيحٌ لمقامٍ فنيٍّ سامٍ يمثّله الجواهري، الذي كان شعره صوتًا للكرامة والوعي والاحتجاج، لا مادّةً للاستهلاك العابر.

 


مشاهدات 15
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/03/01 - 3:20 PM
آخر تحديث 2026/03/02 - 3:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 268 الشهر 1379 الكلي 14955448
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير