الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شارع الرشيد ينتصر لتاريخه

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

شارع الرشيد ينتصر لتاريخه

زيد الحلي

 

شارع الرشيد، قلب بغداد النابض ورمز مجدها، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وتنكّر له من تسلم مسؤولية العاصمة، فذاق مرارة الإهمال ووجع الخذلان، وسكنه حنين لا يهدأ إلى أيام خلت، كان فيها مرفوع الرأس، موفور الكرامة، شاهداً على بهاء بغداد وعراقتها.

لم يكن الرشيد مجرد شارع، بل كان ذاكرة البغداديين ووجه بغداد المشرق لكل زائر من المحافظات أو من خارج العراق. إنه شارع الجمال والأناقة، حيث صالات السينما المزدهرة، والمقاهي الراقية مثل «البرازيلية»، والمطاعم الفاخرة كـ»عمو إلياس»، و»أورزدي باك»، أول سوق مركزي في الشرق الأوسط. هنا كانت «مكتبة مكنزي»، منارة ثقافية عراقية، وهناك محل الخياط الشهير «أحمد خماس»، والمجوهراتي العريق «زهرون» الذي كانت لمعان ذهبه وأصداء المطارق في سوق الصفارين سيمفونية بصرية وصوتية لا تُنسى.

كان شارع الرشيد يعج بالحياة، تغص طرقاته بالمارة وتخترقه أحدث موديلات السيارات، وكانت التاكسي تُمنع من استعمال المنبه احترامًا للذوق العام. لكن الزمن لم يكن رحيمًا، فمنذ أكثر من عقدين خيم عليه غبار الجهالة، وطمست الإهمال معالمه التراثية، فتحوّل إلى شارع مهجور، تغمره الفوضى، تمتلئ أركانه بالعربات التي تجرها الحيوانات، وباعة الفلافل، والبضائع المتهالكة. أُطفئت أنواره، وخفتت ضوضاؤه، حتى بات يغلق عينيه عصراً، يشكو من جرح غائر، ويعتب على غدر الزمان الذي حوّله إلى شارع عشوائي بلا روح.

شخصيًا، كنت قد يئست من أن تعود الروح إلى شارع الرشيد، لكن سنة الحياة علمتنا أن بعد العسر يُولد اليسر، وبعد كل ليل حالك تشرق شمس الفرج. واليوم، يبدو أن القدر قد ابتسم له مجددًا، فقد أصبح هذا الشارع في أعناق رئيس مجلس الوزراء السيد محمد شياع السوداني، الذي يشرف بنفسه على إحيائه، ووعد أن يعود أجمل مما كان.

ولاشك ان إعادة إعمار هذا الشارع يسهم  في الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للعاصمة ، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بشارع يحمل بين طياته عبق التاريخ ومآثر الأجداد، ويعزز السياحة الثقافية وجذب الزوار، ويعمل على إحياء الذكريات الجماعية لسكان بغداد وينمي روح الانتماء لديهم.

سيعود الرشيد، وقد نقشت الأيام على أعمدته دروسًا لا تُنسى، ووشمت على روحه صبرًا يليق بالكبار. ستُمحى آثار النسيان عنه، ويعود شامخًا كما عرفه الأجداد والآباء، لأن العزة قد تخبو لكنها لا تموت، وكما قيل: «عزيز قومٍ ذل، ثم جاءه الفرج».. ليست مجرد عبارة، بل قصة كل من عرف المجد، ثم ذاق الانكسار، وصبر، فاستحق أن يعود مظفرًا، مرفوع الهامة.

 

Z_alhilly@yahoo.com

 

 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2025/04/05 - 3:22 PM
آخر تحديث 2025/04/06 - 8:42 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 66 الشهر 5050 الكلي 10585697
الوقت الآن
الإثنين 2025/4/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير