خاتون بغداد لغز تتعاطف معه أم تكرهه ؟
نعيم عبد مهلهل
فعل الرؤية في ذاكرة الملوك تحتاج إلى إيماءة كاهن، وفعلها في ذاكرة التأريخ تحتاج إلى امرأة. لهذا يرتدي العظماء عطر المرأة؛ ليكونوا خلفها وبسببها يدركون لحظة الضوء والمجد، وحتّى في انكساراتهم وموتهم في مجارير المياه أو على المقصلة، هناك ظلالُ النّساء تبقى تحوم تحت الهدب المتهدل اما بالخوف أو بالجبروت والكبرياء، لهذا تصوير التأريخ بدون واحدة حاضرة في العلن أو خلف الكواليس يصبحُ مشوشا، وكما تخيّل يوليوس قيصر الأمر مع ملكة مصر في إحساسه أن بدون كليوباترا يصيب الفيالق الرومانية الكسل.
أمضي مع التأريخ فلا أجد في موسوعتي غير ثوب لأبي وشال لأمي وكتاب مدرسي، فأعرف أني على الرغم من قدسية الشال والثوب والكتاب قد لا أصل في فك طلاسم رائية لأحدهم أتت لتقول لنا: إن التاريخ الحقيقي يُقرأ من خلال تجسيد حركة الزمن في الصورة المصنوعة بالخيال الحقيقي والافتراضي، وإن التاريخ في متع اكتشاف حقيقته وصدقه قد نكتشفه في إسقاط خواطر الأجيال عليه، هروبا من المنظور الذي عاصره، فهو متحمس في جهتين، الكره والحب ولن يكون متحيزاً أبداً.
تنجح رواية لروائي عراقي اسمه شاكر نوري؛ لتكون شاهدا امينا لفاصلة من عمر بلاد على الرغم من مسافة الزمن المقدرة بحوالي مئة عام، فهو عرّافٌ وميثولوجي يتقن الحفر بجسد الخرائط والبوصلات يخرج لنا نصا ارشيفا بجمالية السرد والمحاكاة والترصد لواحدة من تلك الحواءات اللائي يعتقد السير بيرسي كوكس المندوب السامي في العراق أن اهميتها تأتي بأهمية شركة الهند ــ الشرقية للملاحة، ورُبّما هي تتفوق على اداء بيت لينج، فهم يستوردون التبغ والشاي والبهارات والرز ، فيما كانت تلك المرأة تستورد المشاعر والخطط والعواطف والتقارير الّتي تمكن المندوب السامي ليعرف رأسه من قدميه.
الرواية الّتي تبدأ بشكلها البانورامي من خلال وصف مشية امرأة وملامحها ومشاعر المجتمع البغدادي، وخصوصا النّساء لهذا الكائن الاستثنائي في حضوره وملابسه وعطره، هو ما يتقنه شاكر نوري في التحضير لتلك الوليمة الأدبيّة الدسمة الّتي جاءت بعنوان كلاسيكي (خاتون بغداد)، وهو يتقصد في ذلك ليس لإثارة الفضول في ذاكرة القارئ ومشاعره؛ إنّما هو يصنع بذلك ديناميكية لربط التواريخ البعيدة للمكان منذ ازمنته الاستعمارية في شيوع ثقافة الترك بوصفها نمطا حضاريا في حياة المدن من خلال الافندي والسدارة والخاتون والباشا والخليفة العثماني، وإلى اليوم الذي لم يحب فيه العراقيون اطلاق لقب (المس) على السيدة الانكليزية (جيرترود بيل ) الّتي اقتحمت المجتمع البغدادي بمخمليتها الفاتنة ونظراتها وعباراتها الشكسبيرية الانيقة والمثيرة، بل ابقوا ذلك اللقب المميز الذي يعطى لزوجات الولاة ومدراء دوائر الامبراطورية (خاتون).
الرواية تفصيل جديد لذاكرة تلك الخاتون ، تضعك أمام ارهصات كثيرة ،،تشعرك انها اتت الى هذه البلاد بتكليف رسمي كموظفة دوبلماسية ذات مهمة جاسوسية ،ولكن مزاجها تغير الى تفكير حمل معه شيئ من عاطفة غرام لعطر الملك وشيئا من حنان غريب لبغداد واهلها ،وربما ترسخ كل هذا عندما انيط بها مهمة ادارة المتحف الوطني العراقي في اول تأسيسه ،بعد ان وضع مكتشف مقبرة أور الملكية السير ليوناردو وولي شرطا غريبا وافتراضا بأان نصف الآثار للبلد الذي تنتمي اليه والنصف الآخر الى متاحف الغرب ،وبالرغم من هذا فأن الأثار المهمة والمثيرة والثمينة هي من حصة المراكب الراسية بالفاو والتي ستنقلها لاحقا الى اوربا .
لم تكرم بريطانيا موظفتها الامينة مس بيل على كل خدماتها ،ولم يمنحها الملك الأنكليزي وسام الامبراطورية ،بل عاشت آخر ايامها مكتئبة وربما نادمة على اشياء كثيرة فعلتها فيي بلاد ميزوبوتاميا..
ماتت الخاتون البريطانية وهيي تحمل معها اسرار والغاز كثيرة ، ربما اشار اليها الروائي شاكر نوري في روايته ، ماتت المس بيل ولم ترَ من يأسف على موتها سوى خادمتها الأرمنية المطيعة والوفية وهي تهمر دموعها أامامها سيدتها بصمت ونحيب خافت.