الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العسر واليسر

بواسطة azzaman

العسر واليسر

محمد زكي ابراهيم

 

  يطلق البعض على الدول العربية النفطية التي تعيش في رغد من العيش، وتتقلب في سعة من الرزق، وترفل في أثواب من النعيم، اسم (بلاد اليسر)، أما تلك التي تعاني من شحة في الموارد، وتدن في الدخل، وصعوبة في العيش، فيسمونها (بلاد العسر).

وكان الأساس في هذا التصنيف هو ما آلت إليه الأمور في السبعينات، وبعد حرب تشرين عام 1973 خصوصاً، حينما حدثت طفرة أسعار النفط الشهيرة، فقد انتقل سعر برميل النفط من 3 إلى 10 دولار، لتصل ذروته في عام 1980 إلى 40 دولاراً، وكان ذلك في الواقع مقدمة لتغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة في المنطقة.

 ثمة من يرى أن هذه الوفرة غيرت موازين القوى في المنطقة، وأحدثت تخلخلاً كبيراً في المنظومة السياسية، فقبل انطلاق هذه الوفرة كانت الزعامة منحصرة في ضباط الجيش، المنغمسين في السياسة، وكان هؤلاء يديرون الأمور في ضوء ما اعتنقوه من مفاهيم وأفكار، وما انتظموا فيه من أحزاب وتيارات، في النصف الأول من القرن العشرين، لكنهم لم يعودوا كذلك بعد الوفرة النفطية، ففقدوا دورهم كلاعبين أساسيين في بلدانهم، بل إن نظمهم السياسية تعرضت للاهتزاز، وباتت تعاني من الضعف والانقسام. وأصبحت دول اليسر العربي هي التي تحكم، وتقرر، وتؤثر، في عموم المنطقة.

في بعض دول اليسر هذه حدثت تغييرات سياسية مهمة، ففي البلدان الصغيرة التي تضم أعداداً ضئيلة من السكان، نمت الاتجاهات الراغبة في الائتلاف والاجتماع، كما في دول الخليج، فيما دفعت الوفرة المالية دولاً أخرى لامتلاك ترسانات عسكرية ضخمة، اتخذتها وسيلة للهجوم على بلدان نفطية مجاورة، مثل العراق، فالناس يختلفون في طريقة إنفاقهم للمال، ويتباينون في فهمهم لمعنى القوة.

ويبدو أن هذا التصنيف الذي قسم البلاد العربية إلى معسكرين (موسر) و(معسر)، قد لحقه بعض التطوير في القرن الحالي، إذ اتضح أن الأفكار التي نظمت الحياة الاقتصادية في أوربا لا تتحقق بشكل كاف، ولا تؤدي وظيفتها المفترضة، في بلادنا، وكان من المتوقع نشوء طبقة برجوازية بسبب تراكم الوفرة المالية في دول اليسر، لتقوم بإطلاق المشاريع الصناعية والتجارية والخدمية، التي تقلب شكل الحياة في هذه البلدان، وتنتقل بها إلى طور التقدم، وتصبح هي الموجهة للرأي العام، والقائدة للتنمية، وصاحبة النفوذ الأوسع فيها

لكن الواقع أن هذه البلدان اتجهت نحو الاستهلاك المفرط، والترف المبالغ فيه، وبات أبناؤها ميالين لاقتناء كل جديد، والزهد في كل ما هو قديم، ولم يعودوا قادرين على الصبر على كل نمط معيشي، لا يتجدد بمرور السنين. بل إنهم تحولوا إلى مالكين لآخر ما تقذف به المصانع الأوربية أو الأميركية أو الآسيوية من صيحات، مثل السيارات والهواتف والأجهزة المنزلية، وانتشرت عادة اقتناء الخدم في البيوت، والإكثار من السفر والتجوال، وبدأت العلاقات الاجتماعية التقليدية بالانكماش، ومثل هذا الأمر ليس له من تفسير سوى الرغبة في إنفاق الثروة النفطية، وهدر كل رأسمال محلي، في أمور غير ضرورية.

وبسبب هجرة الأيدي العاملة من دول العسر، فإن عادة اقتناء السلع المترفة انتقلت لهذه البلدان أيضاً، ليس بسبب الدخول المرتفعة بالمقارنة مع السكان الآخرين، بل لأنها باتت تعني نوعاً من الطبقية في هذه المجتمعات.

إن سوء استخدام عائدات الموارد القابلة للنضوب، سواء بالاستهلاك غير الواعي، أو هدرها بالمغامرات غير المحسوبة أو المؤامرات، أو دعم الحروب والثورات الداخلية، وعدم تحويلها إلى رأس مال محلي قادر على بناء الدول، يعني أن ظاهرة (اليسر) هي ظاهرة مؤقتة لن تلبث طويلاً حتى يدركها الزوال.


مشاهدات 78
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2025/04/05 - 3:05 PM
آخر تحديث 2025/04/06 - 4:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 194 الشهر 4171 الكلي 10584818
الوقت الآن
الأحد 2025/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير