التقارب الروسي-الإيراني: تحالف الضرورة أم شراكة دائمة؟
محمد علي الحيدري
في عالم متغير تسوده الاضطرابات الجيوسياسية، برز التقارب الروسي-الإيراني كواحد من أبرز التحولات في المشهد الدولي، حيث دفعت العقوبات الغربية كلا البلدين إلى تعزيز تعاونهما في مختلف المجالات، من الاقتصاد والطاقة إلى التنسيق العسكري والدبلوماسي. ومع ذلك، يظل السؤال الرئيسي: هل يمثل هذا التقارب تحالفًا استراتيجيًا طويل الأمد، أم أنه مجرد زواج مصلحة تفرضه الظروف الآنية؟
لطالما تمتعت موسكو وطهران بعلاقات متذبذبة، حيث جمعتهما المصالح المشتركة في مواجهة النفوذ الغربي، لكن فرّقتهما الطموحات الإقليمية المتباينة. إلا أن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها الحرب الروسية في أوكرانيا والعقوبات الغربية غير المسبوقة، دفعت روسيا إلى البحث عن شركاء قادرين على مساعدتها في تجاوز العزلة الاقتصادية والدبلوماسية. في المقابل، تواجه إيران ضغوطًا غربية متزايدة بسبب برنامجها النووي ودورها في المنطقة، مما جعلها ترى في روسيا شريكًا حيويًا يعزز موقفها السياسي والاقتصادي.
اقتصاديًا، يعد التعاون الروسي-الإيراني محاولة لتجاوز العقوبات الغربية، حيث تسعى موسكو إلى استخدام البنية التحتية الإيرانية، وخاصة ممر النقل الدولي الشمالي-الجنوبي (INSTC)، كبديل استراتيجي لقنوات التجارة التقليدية. في المقابل، تحاول إيران الاستفادة من الخبرات الروسية في مجال الطاقة لتعزيز صادراتها وتقليل آثار العقوبات الغربية. لكن رغم هذا التكامل الظاهر، يواجه التعاون الاقتصادي عقبات حقيقية، أبرزها المنافسة بين البلدين في سوق الطاقة، حيث تتنافس موسكو وطهران على الأسواق نفسها، خاصة في آسيا، مما قد يؤدي إلى خلافات مستقبلية.
طائرات مسيّرة
عسكريًا، ازداد التعاون بين موسكو وطهران بشكل ملحوظ، حيث زوّدت إيران روسيا بطائرات مسيّرة استخدمتها في أوكرانيا، بينما قدمت موسكو لإيران تقنيات عسكرية متقدمة، وقد يتطور هذا التعاون ليشمل أنظمة دفاع جوي متطورة مثل S-400. لكن يبقى السؤال: هل يمكن لروسيا أن تمنح إيران ما يكفي من الدعم العسكري دون الإضرار بعلاقاتها مع دول إقليمية أخرى مثل إسرائيل وتركيا؟ رغم أن هذا التعاون يمنح طهران مزيدًا من القوة في مواجهة خصومها الإقليميين، إلا أنه يبقى محدودًا بالمصالح الروسية، حيث لن تذهب موسكو إلى حدّ توفير الغطاء العسكري الكامل لطهران، كما تفعل الولايات المتحدة مع إسرائيل، بل ستظل تحافظ على هامش مناورات يسمح لها بإعادة التوازن وفق مصالحها.
إقليميًا، يشكل هذا التقارب مصدر قلق كبير للعديد من القوى، خاصة دول الخليج وإسرائيل. فالتعاون العسكري والتكنولوجي بين موسكو وطهران قد يمنح إيران قدرات هجومية أكثر تطورًا، مما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر في المنطقة، سواء من خلال زيادة دعمها للجماعات المسلحة أو تعزيز نفوذها في سوريا واليمن ولبنان. على المستوى الدولي، تعزز هذه الشراكة جبهة معادية للغرب، لكنها لا تصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي المتكامل كما هو الحال بين الولايات المتحدة وأوروبا. فروسيا وإيران تختلفان في أهدافهما بعيدة المدى، حيث تسعى موسكو إلى استعادة نفوذها كقوة عظمى، بينما تركز طهران على فرض نفوذها الإقليمي، مما يجعل هذا التحالف هشًا وقابلًا للتفكك في أي لحظة.
رغم أن هذا التقارب يخدم مصالح الطرفين في المدى القصير، إلا أن مدى استدامته يظل موضع شك. فالتاريخ يُظهر أن العلاقات الروسية-الإيرانية لم تكن دائمًا مستقرة، وغالبًا ما تشهد تقلبات تبعًا للظروف الدولية والإقليمية. كما أن روسيا، التي تسعى إلى تحسين علاقاتها مع بعض الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات، قد تجد نفسها مضطرة إلى الحد من تعاونها مع إيران للحفاظ على توازنها الإقليمي. من جهة أخرى، إذا تغيرت الظروف السياسية، سواء من خلال اتفاق نووي جديد أو تحولات في المشهد الأوكراني، فقد تصبح إيران أقل اعتمادًا على روسيا، مما قد يخفف من زخم هذا التقارب.
التقارب الروسي-الإيراني هو، حتى اللحظة، تحالف تكتيكي أكثر منه شراكة استراتيجية. صحيح أنه يستند إلى مصالح مشتركة في مواجهة الغرب، لكنه يواجه تحديات داخلية وخارجية قد تعيق تحوله إلى تحالف دائم. في نهاية المطاف، يبقى هذا التعاون مرهونًا بتطورات المشهد الدولي، وإذا ما استمرت العقوبات الغربية، فقد يتعمق أكثر، لكنه لن يصل إلى مستوى التحالف الذي يربط بين القوى الكبرى وحلفائها التقليديين.