الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اختبار الإنسانية... صناعة الوحش


اختبار الإنسانية... صناعة الوحش

زيد علي الشمري

 

«لم يعرفوا أنّ التوتسي بشر، فلو فكّروا في ذلك لما قتلوهم».

شهادة منسوبة إلى رجل من الهوتو

بدأت رحلتي مع كتاب «صناعة الوحوش» لديفيد ل. سميث، فوجدت نفسي أمام موضوع يتجاوز التاريخ والسياسة ليصل إلى أعماق النفس البشرية. فالوحش الذي أعنيه هنا ليس كائناً أسطورياً ولا حيواناً مفترساً، بل هو الإنسان نفسه حين يرتكب أبشع أشكال العنف وهو مطمئن إلى أنه يفعل الصواب.

وفي هذه السطور أشارككم الأفكار التي استوقفتني في الفصول الأربعة الأولى، محاولاً أن أفهم كيف يتحول الإنسان العادي إلى أداة للكراهية والاضطهاد والقتل. لقد انتابتني وأنا أقرأ قشعريرة وحزن، لا بسبب ما ارتُكب عبر التاريخ من جرائم فحسب، بل بسبب سؤال ظل يلاحقني: ما الذي يجري داخل العقل حتى يصير قادراً على تجريد إنسان آخر من إنسانيته؟

يولد الإنسان بلا منظومة جاهزة من المعتقدات والأحكام. ثم تتولى الأسرة والمجتمع والثقافة والبيئة السياسية والدينية رسم نظرته إلى العالم وإلى الآخرين. وبفعل التلقين والتعصب وغياب التفكير النقدي، قد تتحول بعض هذه الأفكار إلى قناعات راسخة يصعب زعزعتها.

وهنا تبدأ المشكلة الكبرى: أن نتعلم تصنيف الآخرين قبل أن نعرفهم، وأن نحكم عليهم بانتماءاتهم قبل أن ننظر في أفعالهم.

فلماذا نحتقر غيرنا ونستعبدهم ونضطهدهم، بل نبيدهم أحياناً، لمجرد أنهم من قومية أو طائفة أو دين آخر، أو لأن لون بشرتهم يخالف لون بشرتنا؟ أهي المعتقدات الدينية أو السياسية أو القومية؟ أم أن الجذر أعمق من ذلك؟

يظن البعض أن تجريد الآخرين من إنسانيتهم لا يعدو النظر إليهم بوصفهم أقل مكانة، لكن الأمر أخطر من ذلك بكثير. فهو أن نراهم كائنات أدنى من البشر، لا تستحق ما نمنحه لأنفسنا ولجماعتنا من احترام ومكانة أخلاقية كاملة. نتوقف عن رؤيتهم بشراً مثلنا، لهم مشاعرهم وأحلامهم وآلامهم، ونبدأ بتصويرهم غرباء أو أقل من جنسنا.

والأدهى أن هذا التصور لا يبقى فكرة حبيسة الذهن، بل يصبح مبرراً للتمييز والاضطهاد والاستعباد، ثم للقتل والإبادة.

ومن الأفكار التي استوقفتني في الفصل الثالث حديث المؤلف عن الدم، وكيف ارتبطت في أذهان البشر مفاهيم العرق والأصل والنسب به، وكأن في داخل كل إنسان جوهراً خفياً يحدد قيمته وانتماءه. فقد اعتقدت جماعات كثيرة عبر التاريخ أن اختلاف الأصل ليس اختلافاً في المظهر أو النسب، بل اختلافاً في الجوهر يجعل جماعة أرفع من أخرى.

وفي الفصل الرابع يتعمق سميث في هذه الفكرة، موضحاً كيف يميل العقل البشري إلى تقسيم العالم إلى أنواع ومجموعات، ويفترض أن لكل مجموعة جوهراً داخلياً يميزها عن سواها. وهنا تكمن المفارقة المرعبة: قد يشبهك الآخر في مظهره، ويتكلم لغتك، ويشاركك مشاعرك الإنسانية، لكن العقل المتعصب يتخيل وراء ذلك كله جوهراً مختلفاً يجعله أقل إنسانية. فترى أمامك إنساناً يشبهك، وتقنع نفسك بأنه ليس مثلك.

ولم يقف تصنيف البشر عند حدود الأساطير والموروثات، فقد جرى أحياناً توظيف ادعاءات علمية زائفة ونظريات عنصرية لإضفاء الشرعية على فكرة التفوق العرقي. واستُخدمت هذه التصنيفات في مراحل مختلفة لتبرير العبودية والاستعمار والفصل العنصري.

والحقيقة أن الفروق الجسدية والوراثية بين البشر لا تمنح جماعة أي حق في ادعاء أنها أرقى إنسانياً، ولا توجد مرتبة بيولوجية تجعل إنساناً أحق بالحياة والكرامة من غيره.

وأخطر ما يحدث حين تتحول الأحكام المتحيزة إلى قناعات جماعية أن يكفّ الإنسان عن مساءلة نفسه، فتغدو كراهيته للآخر موقفاً مشروعاً، بل واجباً أخلاقياً أحياناً. وما أثار اهتمامي حقاً ليس قدرة الإنسان على العنف وحدها، بل قدرته على اختلاق المبررات التي تمنح هذا العنف شرعية في عقله.

فالوحشية لا تبدأ دائماً بحمل السلاح، بل تسبقها سنوات من التحريض والتصنيف والتلقين، ومن تصوير الآخر خطراً أو عدواً أو كائناً لا يستحق التعاطف. ومن هنا أعود إلى سؤالي الأول: كيف استطاع قتلة التوتسي في رواندا أن ينظروا إلى ضحاياهم هذه النظرة؟

إنها ليست مأساة رواندية انتهت بانتهاء الإبادة، ولا حكاية تخص مجتمعاً أو حقبة بعينها، بل قضية إنسانية تتجدد كلما صارت الفوارق بين البشر ذريعة للإقصاء والكراهية والعنف.

وأترك لكم في الختام سؤالاً قد يفوق ما سبقه أهمية: هل نظرتَ يوماً إلى من يخالفك في الدين أو المذهب أو القومية أو الفكر السياسي بوصفه أقل منك إنسانية؟ وهل أدركتَ أن بعض أحكامك المسبقة ومواقفك المتعصبة قد تكون جزءاً من صناعة الوحش؟

فلعل الاختبار الحقيقي لإنسانيتنا ليس في تعاملنا مع من يشبهوننا، بل في قدرتنا على احترام إنسانية من يخالفوننا.

***

أكتب كمن يلقي حجراً ليحرك سكون العقول


مشاهدات 60
الكاتب زيد علي الشمري
أضيف 2026/11/03 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/11/04 - 2:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 268 الشهر 6829 الكلي 16657363
الوقت الآن
الأربعاء 2026/11/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير