الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تتخلى الأوطان عن أطفالِها

← بواسطة azzaman

حين تتخلى الأوطان عن أطفالِها

هند الحافظ

 

في كل صباح تفتح المدن أبوابها لحركتها المعتادة، وتغضّ الطرف عن مشهد بات من تفاصيل الحياة اليومية؛ أطفال حفاة يبيعون المناديل، أو يطاردون السيارات، ينامون تحت الجسور وبين الأرصفة، بملامح مغبرة ونظرات شاردة وقلوب صغيرة تحمل أوزانًا من الخوف والعزلة والخذلان. هؤلاء الأطفال لا يعيشون على هامش الحياة فحسب، بل على هامش الوعي العام والاهتمام المؤسسي والمجتمعي. أطفال وُلدوا في ظروف لم يختاروها، وتُركوا في شوارع لا تعرف الرحمة، يكبرون سريعًا بلا طفولة، ويتعلمون البقاء بلا أمل.                                                                       

 لا توجد حتى اليوم إحصاءات عالمية دقيقة لعدد أطفال الشوارع، بسبب اختلاف التعريفات وصعوبة الوصول إلى هذه الفئة.                                     

ورغم ذلك تؤكد تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أطفال الشوارع من أكثر الفئات تعرضًا للعنف والاستغلال والحرمان من التعليم والرعاية الصحية، وهو ما يكشف حجم المأساة التي يعيشونها.                                                      وفي العراق، تشير البيانات  إلى أن نحو 47% من الأطفال يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، وهو واقع يزيد من خطر التسرب من التعليم والعمل المبكر، ويجعل آلاف الأطفال أكثر عرضة للعيش في الشارع أو التشرد.

المشكلة لا تكمن فقط في الأعداد، بل في الطريقة التي ننظر بها إليهم ، فالمجتمع غالبًا ما يرى في طفل الشارع متسولًا مزعجًا أو مشروعًا للانحراف، بدلًا من أن يراه ضحية لسياسات غائبة، ومؤسسات عاجزة وأسر متفككة. ويتعامل مع وجودهم كأمر واقع، بدلًا من أن يدرك أن كل طفل يفترش الرصيف هو فشل مزدوج للدولة والمجتمع،وأن كل لحظة صمت تجاههم تمثل شكلًا من أشكال التواطؤ  غير المعلن مع الجريمة ضد الطفولة.

ورغم تعقيد هذه المشكلة، أثبتت تجارب عدة أن الحل ممكن، وأن الإرادة السياسية حين تتوفر تصنع الفارق. فالبرازيل مثلًا واجهت الظاهرة ببرامج دعم نقدي مشروط للأسر الفقيرة، يُمنح بموجبه الدعم مقابل إبقاء الأطفال في المدارس والالتزام بالرعاية الصحية، مما أسهم في الحد من الفقر وعمالة الأطفال ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم.                 

أما الهند، فقد أنشأت مراكز وبرامج متخصصة لحماية أطفال الشوارع، توفر لهم الرعاية الصحية والنفسية والتعليمية، وتعمل على إعادة دمجهم في المجتمع. وأما مصر، فأطلقت عام 2017 حملة «أطفال بلا مأوى» بالتعاون بين وزارة التضامن الاجتماعي وصندوق «تحيا مصر»، واعتمدت فرق تدخل سريع وسيارات متنقلة لإنقاذ الأطفال وإعادة دمجهم في المجتمع.

تؤكد هذه التجارب أن المشكلة ليست مستحيلة المعالجة، وأن الحلول موجودة، لكن غياب التنسيق بين الجهات المعنية، وتهميش القضية، وعدم إدراجها ضمن أولويات الخطط الوطنية، يجعل الظاهرة تتمدد وتتعقد. وأمام هذا المشهد،تبدو الاستجابات الحالية في كثير من الدول العربية خجولة وموسمية ولا ترتقي إلى حجم التحدي، ولا تملك رؤية طويلة الأمد.

فالطفل الذي نراه اليوم يبيع المناديل قد يقع غدًا ضحية للمخدرات، أو أداة في يد العصابات  “أوشخصًا “ناقمًا على مجتمع لم يعترف به يومًا.                                          

فنحن لا نواجه أزمة إنسانية وحسب، بل تهديدًا أخلاقيًا واجتماعيًا وأمنيًا صامتًا، وإن لم نضع هذه الظاهرة في صلب السياسات العامة، ونوفر لها التمويل والإرادة السياسية، فإننا سنحصد لاحقًا جيلًا من الساخطين الذين لا يشعرون أنهم ينتمون إلى أوطانهم، لأن أوطانهم تخلت عنهم أولًا.

فهؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى وجبات طعام عابرة في مواسم الإحسان، بل إلى قانون يُحاسب من تخلّى عنهم، وإلى مؤسسة تستقبلهم فورًا، وإلى مدرسة تحتضنهم، وإلى برنامج وطني يعيد إليهم هويتهم وحقهم في حياة كريمة. يحتاجون إلى أن نغضب، لا أن نشفق. يحتاجون إلى فعل، لا كلام.

وما لم نتحرك الآن، فإن المجتمع سيدفع الثمن مضاعفًا في السنوات القادمة، حين يتحول بعض هؤلاء الأطفال إلى ضحايا للاستغلال أو إلى أفراد تدفعهم ظروفهم نحو الجريمة والعنف. وعلينا ألّا نغفل أن الشارع لا يربي، بل يهيئ بيئةً قاسية قد تُغذي الانحراف والجريمة، وأن الوطن الذي يسمح لطفولته بأن تُشرد وتُهان، لا مستقبل له إلا في نشرات الأخبار السوداء.                      

 


مشاهدات 97
الكاتب هند الحافظ
أضيف 2026/10/27 - 2:14 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 6:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 623 الشهر 56450 الكلي 16641619
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير