الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف يفكك الذكاء الاصطناعي خيوط الخداع البشري في مجتمعاتنا؟

← بواسطة azzaman

كيف يفكك الذكاء الاصطناعي خيوط الخداع البشري في مجتمعاتنا؟

مصطفى طارق الدليمي

 

نعيش اليوم منعطفاً تاريخياً غريباً حيث تتهاوى واحدة من أقدم المهارات البشرية التي رافقت العلاقات الإنسانية منذ الأزل وهي مهارة "المناورة" أو إخفاء الحقيقة لعقود طويلة شيد الإنسان علاقاته الاجتماعية والمهنية على مساحة رمادية من المجاملات والتبريرات التي يصعب التحقق منها واعتبرت المجتمعات أن أجهزة كشف الكذب التقليدية هي مجرد أدوات خبرية معزولة لا يمكنها فك شفرة الذكاء الفطري للإنسان في المواقف اليومية لكن الثورة الهائلة في تدفق المعلومات وتطور أنظمة الذكاء الاصطناعي جاءت لتضع حداً لهذا الغموض محولةً كشف الكذب إلى واقع ملموس يفكك المنطق التعبيري البشري ويقاطعه مع سيل لا ينتهي من البيانات المحدثة فوريّا إن التغيير الحقيقي لا يحدث في أروقة مراكز الأبحاث انما في صلب حياتنا اليومية وبيئات عملنا المحلية التي بدأت تشهد تحولاً بنيويا في مفهوم الثقة خذ على سبيل المثال بيئة الشركات الحديثة والمشاريع الناشئة التي تنمو بسرعة في المدن يقف الموظف أحياناً أمام إدارته مستعرضاً خطة عمل معقدة أو مدعياً إتمام مراحل صعبة من مشروع برمجيات أو هندسة لوجستية متسلحاَ بلغة إنشائية منمقة ومصطلحات فضفاضة لطالما كانت كافية لتمرير التقصير في السابق اليوم ماعاد المدير بحاجة إلى الانتظار أو الخضوع للاحراج الاجتماعي فالذكاء الاصطناعي المتاح مجاناً في التطبيقات اليومية يتيح له ببساطة إدخال تفاصيل هذا النقاش أو نصوص التقارير لتتكفل الخوارزميات بعملية شرح فوري لبنية الكلام يقوم النظام بتقاطع المعلومات مع البيانات المتوفرة عالمياً ومحلياً فيكشف في لحظات ما إذا كان المتحدث يملك ناصية المعلومة فعلاً أم أنه يمارس نوعا من التضليل المعرفي لتغطية الفراغ يمتد هذا الواقع الرقمي الصارم ليعيد صياغة التعاملات التجارية اليومية في مجتمعنا مثل قطاعات العقارات وتجارة السيارات والمقاولات حيث كانت المبالغة أو إخفاء العيوب تُمرر تحت مسمى "شطارة السوق"

 

إن دخول تطبيقات التحليل اللغوي والصوتي المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدأ يفرض نمطاً جديداً فالأنظمة الحالية قادرة على رصد التناقضات بين الادعاءات الشفهية والبيانات الرقمية المسجلة المفارقة هنا تكمن في أننا نحن من قمنا بتدريب هذا المارد الرقمي ففي مقابل الاستخدام اليومي والمجاني لتطبيقات التكنولوجيا لغرض صياغة النصوص أو تنظيم الأعمال كنا نغذي هذه الأنظمة بأنماط سلوكنا وطرق تفكيرنا وحتى بأساليبنا في المراوغة حتى أصبحت التكنولوجيا قادرة على التنبؤ بنقاط الضعف في الرواية البشرية وتصنيفها كأنماط رياضية واضحة

 

هذا التحول يأخذنا نحو مجتمع جديد يدار بصرامة البيانات بدلاً من الثقة التقليدية المرنة ماعاد بإمكان الشخص الاعتماد على الكاريزما الشخصية أو القدرة على الإقناع اللفظي للهروب من استحقاقات الحقيقة إذ تحول المجهر الرقمي إلى شريك ثالث في كل حوار وعقد وتفاوض إنها مرحلة يُجبر فيها الجميع على تبني الصدق المطلق في طروحاتهم ليس كخيار أخلاقي نابع من الذات انما كالية دفاعية حتمية لتفادي الفضيحة التكنولوجية الفورية التي تكشف المستور وتضع النقاط فوق الحروف

 

 


مشاهدات 83
الكاتب مصطفى طارق الدليمي
أضيف 2026/10/24 - 2:39 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 3:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 383 الشهر 46752 الكلي 16631921
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير