الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النظام البرلماني في العراق... هل حان وقت المراجعة الدستورية؟

← بواسطة azzaman

النظام البرلماني في العراق... هل حان وقت المراجعة الدستورية؟

سعد عزت السعدي 

 

يُعد اعتماد النظام البرلماني في العراق أحد أبرز التحولات بعد عام 2003, فقد اقر الدستور العراقي هذا النموذج باعتباره نموذج لترسيخ اسس الديمقراطية وتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، ومنع احتكار السلطات. إلا أن أكثر من عقدين من التطبيق لهذا المبدأ كشف عن تحديات سياسية ودستورية دفعت إلى طرح سؤال جوهري: هل يحتاج العراق إلى إصلاح النظام البرلماني، أم إن يتم استبداله بنظام سياسي آخر؟

لقد جاء اختيار النظام البرلماني في مرحلة انتقالية معقدة عندما تم صياغة نصوص الدستور العراقي، وكان التوجه باهمية السير نحو التعددية السياسية والتنوع القومي والديني والمذهبي في نظام الحكم. وكان الهدف من هذا النموذج هو لضمان مشاركة جميع المكونات في إدارة الحكم في الدولة ومنع العودة إلى الحكم المنفرد . غير أن التطبيق العملي أظهر أن نجاح أي نظام سياسي لا يتوقف على النصوص الدستورية وحدها، بل على الثقافة السياسية للمجتمع، وقوة المؤسسات الحكومية، واحترام بنود الدستور.

ولعل من اهم الإشكاليات التي واجهت النظام البرلماني تمثلت في صعوبة تشكيل الحكومات، إذ انها غالباً ما تستغرق المفاوضات أشهراً طويلة نتيجة غياب الأغلبية البرلمانية الواضحة بعد الانتخابات واعتماد التوافقات السياسية في تشكيل الحكومة. كما أدى تعدد الأحزاب والانقسامات داخل البرلمان إلى إضعاف الاستقرار الحكومي، حيث أصبحت الحكومات عرضة لضغوط الكتل السياسية، الأمر الذي انعكس سلباً على سرعة اتخاذ القرار وتنفيذ البرامج التنفيذية للحكومية.

ومن التحديات أيضاً هي تداخل المصالح الحزبية والفئوية مع مؤسسات الدولة، مما أسهم في انتشار المحاصصة السياسية والإدارية على حساب مبدأ الكفاءة. وقد أدى ذلك إلى تراجع مستوى الخدمات العامة، وضعف الرقابة البرلمانية، وازدياد شعور المواطنين بعدم قدرة النظام السياسي على تلبية تطلعاتهم في التنمية ومكافحة الفساد.

وفي المقابل، لا يمكن تحميل النظام البرلماني وحده مسؤولية هذه الإخفاقات. فهناك دول عديدة تعتمد النظام البرلماني وتحقق مستويات عالية من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مثل ألمانيا وكندا والسويد. ويشير ذلك إلى أن المشكلة قد تكون في آليات التطبيق والبيئة السياسية أكثر من كونها في طبيعة النظام نفسه.

ويذهب أنصار الإصلاح إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لتطوير النظام البرلماني بدلاً من تغييره. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تعديل قانون الانتخابات بما يضمن تشكيل كتل سياسية أكثر استقراراً، وتعزيز دور المعارضة البرلمانية، وتفعيل الرقابة على السلطة التنفيذية، ووضع ضوابط تحد من الانشقاقات السياسية داخل البرلمان، فضلاً عن دعم استقلال القضاء والمؤسسات الرقابية, فضلا عن اشاعة ثقافة ايصال النائب الجيد الى قبة البرلمان.

في المقابل، يرى فريق آخر أن العراق بحاجة إلى تغيير النظام السياسي، والانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي يمنح السلطة التنفيذية استقراراً أكبر، ويُحمّل رئيس الدولة أو رئيس الحكومة مسؤولية مباشرة أمام الشعب. ويستند هذا الرأي إلى أن تعدد مراكز القرار في النظام البرلماني أدى إلى إضعاف هيبة الدولة وتعطيل الإصلاحات.

الا أن الانتقال من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي لا يخلو من المخاطر، خصوصاً في مجتمع متعدد مثل العراق. فقد يؤدي تركيز السلطات بيد شخص واحد إلى إضعاف التوازن بين المؤسسات إذا لم تكن هناك ضمانات دستورية ورقابية قوية. لذلك فإن تغيير شكل النظام السياسي لا يمثل حلاً سحرياً، بل قد ينقل الأزمات من صورة إلى أخرى إذا لم ترافقه إصلاحات مؤسسية عميقة.

إن نجاح التجربة العراقية تؤكد أن أي نظام سياسي يرتبط بوجود أحزاب وطنية ذات برامج واضحة، وقضاء مستقل، ومؤسسات دستورية رقابية فعالة، وإدارة حكومية تعتمد الكفاءة والنزاهة، إضافة إلى ترسيخ ثقافة احترام الدستور وسيادة القانون. فهذه العوامل هي التي تحدد نجاح النظام، بغض النظر عن كونه برلمانياً أو رئاسياً.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية يتمثل في إصلاح النظام البرلماني بدلاً من استبداله. فالإصلاح التدريجي أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع الاستقرار الدستوري، شريطة أن يترافق مع إرادة سياسية حقيقية لمعالجة الاختلالات التي كشفتها التجربة خلال السنوات الماضية.

فإن مستقبل النظام البرلماني في العراق لا يتوقف فقط على تغيير النصوص الدستورية فحسب، بل على بناء دولة المؤسسات القوية الرصينة، وتعزيز مبدأ المواطنة، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة. وإذا نجحت القوى السياسية في تنفيذ إصلاحات حقيقية، فإن النظام البرلماني يمكن أن يتحول إلى أداة للاستقرار والتنمية. أما إذا استمرت الممارسات ذاتها، فإن الجدل حول إصلاح النظام أو تغييره سيبقى قائماً، وستظل الأزمة السياسية تتجدد بأشكال مختلفة.

 


مشاهدات 67
الكاتب سعد عزت السعدي 
أضيف 2026/10/20 - 1:09 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 7:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 716 الشهر 40540 الكلي 16625709
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير