العراق في مرمى العسرة المالية
محمد الجوراني
يمر العراق اليوم بأحد أشد منعطفاته المالية حرجاً ، حيث لم تعد المسألة مجرد تأخر في صرف راتب أو نقص في تخصيصات مشروع ، بل دخلنا فعلياً مرحلة العسرة المالية التي باتت تهدد إنتظام الدولة و قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه موظفيها و مواطنيها .
للوهلة الأولى قد يظن البعض أن السبب هو تراجع أسعار النفط أو إنخفاض الإيرادات .. لكن الحقيقة أعمق لكون جوهر الأزمة لا يكمن في حجم الإحتياطيات الدولارية التي تمتلكها الدولة ، فهي رقم مهم لكنه ليس الحل ..!!؟؟
المشكلة الحقيقية هي في طريقة إدارة المال .. فالإيرادات النفطية و غير النفطية تدخل إلى المنظومة المالية ، لكنها تتعرض للإستنزاف قبل أن تصل إلى الخزينة العامة ، فتضيع بين هياكل مالية موازية و إلتزامات متشعبة ، و ملفات فساد مفتوحة تستنزف المال العام ، و حين يصل ما تبقى منها يجد الموظف نفسه في نهاية قائمة الأولويات ، رغم أنه العمود الفقري للدولة .
لذلك لم تعد إحتياطيات قادرة على حماية الإقتصاد إلى ما لا نهاية ، و قد أصبحت أشبه بخزان ماء فيه ثقب كبير مهما ملأته ، سيفرغ ما لم تُسد الثقوب ..!!
اليوم تواجه الدولة فجوة واضحة و كبيرة بين ما تجمعه من إيرادات و ما تحتاجه شهرياً لتسيير أمورها .
ففاتورة الرواتب وحدها تتطلب مبلغاً يتجاوز 10 تريليونات دينار شهرياً ، و هو رقم لا تغطيه الموارد الحالية ، خاصة مع وجود تداعيات خارجية أثرت على حركة التصدير و الإيرادات و زادت الضغط على الموازنة التشغيلية ..؟؟
النتيجة المباشرة كانت واضحة و هي إختلال في إنتظام صرف الرواتب .
و صار الحديث عن تأخير محتمل أمراً واقعاً ، ريثما يتم تدبير المبالغ و توزيعها عبر القنوات المالية المعتمدة ، في وقت ينتظر فيه ملايين المواطنين إستحقاقاتهم .
إن المرحلة الحالية لا تحتمل حلولاً ترقيعية أو الإعتماد على السحب من الإحتياطي لسد العجز كل شهر .
المطلوب هو معالجة الأسباب لا الأعراض و البداية تكون بترشيد الإنفاق الحكومي و خفض الهدر في كل الأبواب .
فهناك بنود صرف غير ضرورية ومشاريع متلكئة تستهلك المليارات دون عائد و إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم المواطن مباشرة هو الخطوة الأولى لإستعادة العافية المالية .
و بالتوازي مع ذلك لا بد من ضبط فاتورة الرواتب التي تضخمت على مدى سنوات ، و يتم ذلك عبر إيقاف التوظيف الوهمي و معالجة الإزدواج الوظيفي و مراجعة الهيكل الوظيفي للدولة..بما يضمن العدالة و الكفاءة ، لا أن يبقى العبء الأكبر على كاهل الموازنة ..!!
كما أن أي حديث عن إنقاذ لا يمكن أن يخلو من ملف الفساد ، فإسترداد الأموال المنهوبة و تفكيك المنظومات الإقتصادية الموازية ، التي تستنزف المال العام خارج الأطر الرسمية ، هو شرط أساسي لإستعادة هيبة الدولة و ثقة المواطن .
فبدون ذلك ستبقى أي إيرادات جديدة عرضة للتبدد بنفس الطريقة .
و الأهم من كل ذلك هو كسر حلقة الإعتماد الكلي على النفط ، فتنويع الإيرادات لم يعد خياراً بل ضرورة و جودية ، و يكون ذلك عبر تفعيل أدوات الجباية العادلة و دعم القطاع الصناعي و الزراعي و السياحي و بناء إقتصاد منتج ، يخفف الضغط عن مورد واحد متقلب ..!!
و أخيرا لا يمكن أن تنجح كل هذه الخطوات دون تعزيز الشفافية و الرقابة ، فعلى كل دينار أن يخضع للمساءلة ، و على كل مشروع أن يكون معلنا و خاضعاً لمتابعة الرأي العام .
فالشفافية هي الضمانة الوحيدة بأن تصل الأموال إلى مستحقيها ، و أن لا تعود لدوامة الهدر من جديد .
إن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني إستنزافاً ممنهجاً لقدرة الدولة ، فلا إحتياطي سيصمد و لا مورد سيكفي ، ما لم تتغير طريقة الإدارة ..؟؟
إنقاذ العراق اليوم لا يبدأ من أرقام البنك المركزي ، بل يبدأ من قرار سياسي و إداري شجاع بوضع حد للنزيف و إعادة بناء الثقة بين الدولة و مواطنها ، عبر إدارة رشيدة و مسؤولة ، لأن المواطن الذي ينتظر راتبه لا يبحث عن تبرير ، بل يبحث عن حل ..!!