زينب بت علي: مَا رَأَيتُ إِلا جَمِيلًا
حسين الزيادي
إن الإلمام بالسيرة العطرة لبطلة كربلاء ولبوة البيت العلوي ليس بالأمر اليسير؛ فلها - سلام الله عليها- من جلالة الشأن، وعلوّ المكانة، وقوة المنطق، ورجاحة العقل، وثبات الجنان، وفصاحة اللسان، وبلاغة المقال، ما لا تحتويه الكلمات ولا ترتقي إليه العبارات، فقد كانت سلام الله عليها عظيمة القدر، خطيبة مفوهة، عُرفت بالشجاعة النادرة، والجرأة العظيمة؛ وكيف لا تكون كذلك وقد تربّت على مائدة الطهر والشرف والإباء، محوطة بكتاب الله الكريم وسنة جدّها النبي المرسل، نهلت من فيض النبوة ودرجت في بيت الرسالة وارتوت من عطاء الامامة ، فنشأت نشأة قدسية، وربيت تربية روحانية، متجلبة جلابيب الجلال والعظمة، متردية رداء العفاف والحشمة ؛ لم ينلِ السبي من عزيمتها، بل كانت كالطود الشامخ في وجه الطغاة، أقضت مضاجعهم وأخرست حُجتهم، وثبتت في المواقف والأحداث كالراسيات.
يحدثنا التاريخ انه بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام وسبي أهل بيته حملت رؤوس آل محمد الى والي الكوفة عبيد الله بن زياد الذي اقام مجلساً صاخباً داخل قصره، حيث جمع قادة جيشه والموالين له، وأمر بعرض رأس الإمام الحسين (عليه السلام) وتقديم موكب السبايا أمامه تشفياً ومحاولة للنيل من كرامة أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، وإشباعاً لضغائنه وبثاً للرعب في النفوس، فحاول استفزاز السيدة زينب بقوله: كيف رأيتِ فعل الله بأهل بيتك؟، فأجابته بيقين لا يتردد: ما رأيتُ إلّا جميلاً، هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتختصمون عنده، فانظر لمن الفلجُ يومئذٍ، ثكلتك أمّك يابن مرجانة ، ومقال السيدة زينب (عليها السلام) الذي خلده التاريخ يُعد قمةً سامقة من قمم اليقين العقائدي والرؤية الرسالية الشاملة، فهي لا ترى مجريات الأمور بمنظور مادي بحت يقف عند حدود الدم، بل تنفذ ببصيرتها إلى البعد الإلهي المطلق، فكل ما جرى في كربلاء - وإن بدا في ظاهره مؤلماً ومفجعاً- فهو صادر عن حكمة الله تعالى وقضائه ومشيئته التي لا تقترن إلا بالعدل والحكمة والكمال، فحولت تلك الكلمات المجزرة الشنعاء إلى نصر إعلامي وأخلاقي باقٍ على مر التاريخ، وأظهر قبح الظالم ونقاء المظلوم، فلو نظرت السيدة زينب (عليها السلام) للموقف بمنظور الانكسار العسكري المادي لانعكس ذلك ضعفاً على ركب السبي والمسيرة بأكملها، لكن إعلانها لهذا الموقف الصلب كان رسالة مدوية تؤكد أن دماء الحسين وأصحابه عليهم السلام لم تذهب ضياعاً، بل تحولت إلى مشعل تحرري، اما قولها سلام الله عليها في الشطر الثاني: (هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم) فهو ايحاء وتصريح يشير إلى وعي الشهداء التام بطبيعة طريقهم؛ فهم لم يُساقوا إلى الموت جهلاً أو قسراً أو غفلة، بل خرجوا عن إرادة واعية وعقيدة راسخة وتكليف إلهي مقدّس لبذل المهج في سبيل الإصلاح الإنساني والديني، ووصفها سلام الله عليها الموت بـ :(المضاجع) يضفي طابعاً من السكينة والاطمئنان، كأن القتل ليس نهاية مأساوية، بل هو استقرار وخلود في منازل العز والرضا الإلهي.
بعد هذه المحطة استمرت الحوراء زينب في حملها لأعباء القيادة والمسيرة، حاملةً راية الجهاد والثبات عبر رحلتها الشاقة بين الكوفة والشام، مجسدةً حضوراً تاريخياً فاعلاً في حماية ركب السبي الحسيني ومجابهة التحديات ببصيرةٍ نافذةٍ وصلابةٍ يعجز عنها الوصف، فكانت لها في محضر يزيد بن معاوية مواقف خلدها التاريخ وكلمات اخرست الاخرين، بل هزت أركان المعسكر الأموي وكشفت زيفه أمام الأمة بأسرها...