رحلة سائح هندي في بخارى.. وثيقة إصلاح من القرن العشرين
محمود مبشر كاساني
عند الحديث عن الحركة التجديدية (Jadidism) التي انطلقت في أواخر القرن التاسع عشر في تركستان (أوزبكستان الحالية)، لا بد من التطرق إلى عبدالرؤوف فطرت، أحد أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية والأدبية في تاريخ آسيا الوسطى الحديث. نشأت هذه الحركة بين المثقفين المسلمين في الإمبراطورية الروسية، وسعت إلى إصلاح المجتمع عبر تحديث التعليم وإصلاح المدارس التقليدية بمناهج وطرق تدريس جديدة عُرفت بالمدارس الجديدية. كانت الحركة تهدف إلى نشر المعرفة الحديثة والعلوم واللغات، وإحياء روح الإصلاح الاجتماعي والثقافي في المجتمعات الإسلامية بالمنطقة.
عاشت تركستان فترة طويلة من الجمود والتراجع امتدت من أواخر القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن العشرين. في هذه الأثناء، ظهر عدد من المفكرين والمصلحين الذين دعوا إلى التغيير الثقافي والفكري والاجتماعي. تأثر هؤلاء بالحركات الإصلاحية في أنحاء العالم الإسلامي، خاصة في الدولة العثمانية ومصر. وفي هذا السياق، برز دور المفكر التتاري إسماعيل بيك غاسبرالي الذي نشر أفكار الإصلاح والتعليم الحديث بين مسلمي الروسيا، وأثّر بعمق في تكوين جيل من المثقفين التجديديين في آسيا الوسطى.
وُلد عبدالرؤوف فطرت (1886–1938) في بخارى وتلقى تعليمه الأولي في مدارسها التقليدية. ثم سافر إلى إسطنبول حيث احتك بالأفكار الإصلاحية الحديثة والتيارات الفكرية السائدة في العالم الإسلامي. أسهمت هذه التجربة في تشكيل وعيه الفكري، فدعا إلى إصلاح التعليم وتحديث مناهجه، والانفتاح على العلوم الحديثة. كتب فطرت في مجالات متعددة: الأدب والفكر والتاريخ والسياسة.
لم تكن مسيرته خالية من المآسي. فبعد التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة ونهاية عهد القياصرة من ثم قيام السلطة السوفيتية، تعرض المثقفون والمصلحون في آسيا الوسطى لحملات قمع واسعة. أُعدم عبدالرؤوف فطرت في طشقند عام 1938 ضمن حملات التطهير الستالينية، مثله كمثل عدد من المفكرين الذين سعوا إلى نهضة مجتمعاتهم في ظروف سياسية معقدة.تحتل رواية «رحلة سائح هندي في بخارى» مكانة مهمة في تاريخ الفكر الإصلاحي بآسيا الوسطى. لا تقتصر قيمتها على كونها عملاً أدبياً، بل هي وثيقة فكرية تعكس رؤية أحد أبرز ممثلي الحركة التجديدية لواقع مجتمعه. استخدم فطرت أسلوب الرحلة والحوار على لسان سائح هندي يزور بخارى وسمرقند وشهرسبز وقارشي (نَسَف). من خلال هذا الأسلوب، انتقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية وحالة التعليم في المدارس التقليدية، مسلطاً الضوء على الجمود الفكري والتخلف التعليمي السائد وقته في إمارة بخارى.
نموذج بارز
نشر عبدالرؤوف فطرت هذه الرواية في إسطنبول عام 1912 باللغة الفارسية، وترجمت لاحقاً إلى الروسية والأوزبكية وغيرها. تُعد نموذجاً بارزاً للأدب الإصلاحي الذي استخدمه مفكرو الحركة التجديدية لإيقاظ الوعي الاجتماعي والدعوة إلى الإصلاح.
منذ استقلال أوزبكستان، ازداد الاهتمام بتراث الحركة التجديدية وأعلامها. شهدت البلاد، خاصة تحت قيادة الرئيس شوكت ميرضياييف، اهتماماً متزايداً بإعادة الاعتبار لهؤلاء المفكرين كجزء مهم من التاريخ الفكري للمنطقة. أُعيد نشر مؤلفاتهم، ونُظمت مؤتمرات علمية حول أفكارهم، وأُدرجت أعمالهم في الدراسات الأكاديمية والبرامج التعليمية في إطار إحياء التراث الفكري والثقافي لآسيا الوسطى.