سعدي الحديثي يرث موهبته من جدته: إلغاء صوت المناسبات الإجتماعية في المدنية
بغداد - نور معاذ
على ضفاف نهر الفرات، وبين نواعير مدينة حديثة التي تروي حكايات المكان، ولد صوت أصبح جزءاً من ذاكرة المدينة، فمن بيئة غنية بالموروث الشعبي والأهازيج المحلية، شق الفنان الدكتور سعدي الحديثي، المولود عام (1939)، طريقه ليقدم لوناً غنائياً حمل روح مدينة حديثة وأصالتها، ويترك بصمة فنية تجاوزت حدود المكان، وإلى جانب مسيرته الفنية، جمع بين الإبداع والتحصيل الأكاديمي، إذ نال شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية الآداب بجامعة بغداد، ثم واصل دراساته العليا في جامعة لندن، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه ، لتبقى تجربته حاضرة في ذاكرة الأجيال، وفي حوار مع (الزمان ) نستعيد معه محطات البدايات، ونتعرف إلى البيئة الفنية والثقافية التي صقلت موهبته، وكيف تحولت الأغنية الشعبية إلى رسالة فنية وثقت هوية مدينة حديثة وأسهمت في حفظ تراثها، في رحلة بين الذكريات والموسيقى نقترب فيها من تجربة أحد أبرز الأصوات التي إرتبط إسمها بمدينة حديثة.
□ هل كــان الغناء مهنة في مدينة حديثة؟
-لم يكـــــن الغناء فــي مدينة حديثة مهنــــــــة أو حرفة، بــل كان جزءاً من المناسبات الإجتماعية.
□ كيف كانت بدايتك الفنية في حديثة، وكيف كان تقبل المجتمع للفن آنذاك؟
-تشكلت تجربتي الفنية منذ السنوات الأولى من عمري، إذ كنت أردد الكلمات التي أسمعها من الناس، فأحفظ كلمتين أو ثلاثاً وأرددهما، لكن شغفي الحقيقي بدأ في المرحلة الإبتدائية، حين كانت المدرسة تقيم المسرحيات، وكنت أؤدي (التعديد) وهو ما يطلق على الغناء في المآتم أو الغناء الحزين، إلى جانب الأغاني الخاصة بالمناسبات السعيدة، ومع مرور الوقت، أخذت التجربة تتطور، فأصبحت المدرسة تقيم مهرجانات يحضرها أهالي المدينة، وكنا نغني أمامهم، وكان صوتي مميزاً بين زملائي، الأمر الذي جعل الناس يشجعونني ويحتفون بموهبتي.
إنشاد ديني
وقد ورثت هذه الموهبة عن جدتي، التي كانت تحفظني كلمات التعديد والإنشاد الديني، ثم أصبحت أذهب إلى الأفراح، حيث كان الناس يعبرون عن فرحتهم برقصة الجوبي ويرددون الأغاني الشعبية، فكانوا يلقنونني كلماتها، فأحفظها وأؤديها، أما الغناء الحقيقي، فقد بدأ عندما كنت طالباً في دار المعلمين، إذ كنت أتابع الأغاني وأدون كلماتها، وأكتب الأشعار، ولم يكتشف أحد موهبتي، بل عملت على تطوير نفسي بنفسي، فدرست الموسيقى، وتعلمت العزف على الكمان والعود، حتى أصبحت عضواً في الفرقة الموسيقية في دار المعلمين.
□ ما الذي كان ينقص المشهد الفني في مدينة حديثة سابقاً؟
-كان في مدينة حديثة كثير من الأشخاص الذين يجيدون الغناء، لكن الخجل كان يغلب عليهم بسبب طبيعة المجتمع والبيئة المحافظة، وكان هناك أيضاً غناء البدو أو القرويون، الذي يؤدى بمرافقة آلة المطبك، وقد تعلمت منه مفردات جديدة وأساليب غنائية أثرت تجربتي الفنية، كما كان يقام مجلس مسائي في غرفة صغيرة يجتمع فيها بعض الأقارب، وكنت أجلس بينهم ممسكاً بورقة وقلم، أدون كلمات الأغاني وأحفظها، وكانت والدتي تغني لي منذ طفولتي، وكانت تمتلك صوتاً جميلاً، وهو ما شجعني على الإستمرار في الغناء، لذلك فإن ما كان ينقص المشهد الفني آنذاك هو الجرأة على ممارسة الغناء وإظهاره أمام المجتمع.
□ من كان يعرف المقامات في مدينة حديثة؟
-كان هناك رجل يدعى راغب، وكان يؤدي المقام العراقي، إضافة إلى آخرون يحفظون المقامات ويؤدونها، إلى جانب عدد كبير ممن يؤدون المربعات الشعبية، وكان بعضهم يعزف على الطبل والدنبك وغيرها من الآلات الشعبية، إلا أن جميع هذه الممارسات كانت تقتصر على المناسبات الإجتماعية، ولا سيما الأعراس، إلى جانب رقصة الجوبــي التي إرتبطت بثقافة المدينة.
□ إلى أي فترة إستمر الواقع الفني والثقافي في مدينة حديثة؟
-إستمر هذا الواقع تقريباً حتى خمسينيات القرن الماضي، فبعد عام (1950) بدأت المدينة تنفتح، وجاءت أجيال درست في المدارس المتوسطة والثانوية خارج حديثة، ثم عادت إليها، وقد أصبح كثير منهم معلمين، وأسهموا في تطوير الحياة الثقافية والتعليمية، فتغير المجتمع، وأصبح الناس أكثر وعياً بالفن والغناء، ومع ذلك، بقيت النظرة إلى الغناء مختلفة فلم يكن من السهل أن يدعى شخص إلى حفل زفاف بصفته مطرباً محترفاً ليغني أمام الناس، إذ كان ذلك يُعد أمراً غريباً وغير مألــــــــوف في ذلك الوقت.