الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين جرذان السويد وأسماك العراق.. قصة حضارة

بواسطة azzaman

بين جرذان السويد وأسماك العراق.. قصة حضارة

فاروق الدباغ

 

لا تزال تلك الدعوة، رغم مرور سنوات عليها، واحدة من أكثر المواقف التي غيّرت طريقة فهمي للعلاقة بين الإنسان والطبيعة.

كانت دعوة رسمية لحضور اجتماع في إدارة المقاطعة السويدية (Länsstyrelsen)، ضم ممثلين عن ثلاث بلديات، وخبراء في البيئة، وأطباء بيطريين، وممثلين عن أحزاب سياسية. توقعت أن يكون جدول الأعمال متعلقاً بالتلوث، أو إدارة الغابات، أو حماية مصادر المياه.. لكنني فوجئت بعنوان الاجتماع:    إنقاذ الجرذان.

للحظة، اعتقدت أنني لم أفهم اللغة السويدية جيداً.

فأنا القادم من العراق، حيث ارتبطت كلمة الجرذان في ذاكرتي بحملات المكافحة والقضاء عليها، تماماً كما هو الحال مع الصراصير والقوارض الأخرى. لم يخطر ببالي يوماً أن تُعقد اجتماعات رسمية، وتُخصص ميزانيات، لحماية الجرذان.

دخلت قاعة الاجتماع وما زلت أظن أن هناك خطأ ما.

بدأ أحد المختصين بعرض فيلم قصير على شاشة كبيرة. كانت المشاهد تُظهر مجموعات من جرذان الحقول وهي تحاول عبور الطريق السريع بين مدينتي بورلانغه وفالون في وسط السويد، قبل أن تدهسها السيارات المارة.

لكن ما شد انتباهي لم يكن الفيلم وحده، بل الوجوه التي كانت تتابعه..رأيت حزناً حقيقياً على وجوه الحاضرين كلما ظهرت جرذان تُسحق تحت عجلات السيارات.

بعد انتهاء العرض، شرح الخبير البيئي المشكلة قائلاً إن هذه الجرذان تعبر الطريق استجابة لغريزة بيولوجية، فهي تنتقل إلى الجهة الأخرى للتزاوج مع الإناث الموجودة هناك، وإن استمرار نفوقها يهدد هذا النوع، ويؤثر في التوازن البيئي للمنطقة الزراعية بأكملها.

جلست صامتاً.. لم أكن أعارض، لكنني كنت أعيش صراعاً داخلياً بين ما أسمعه الآن، وبين كل ما تعلمته منذ طفولتي وحتى تجاوزت الخمسين من عمري.

استمر النقاش أكثر من ساعتين، تخللته استراحة قهوة، قبل أن يتفق الجميع على إنشاء نفق خرساني دائري تحت الطريق، يسمح للجرذان بالعبور بأمان. وقدرت تكلفة المشروع بنحو مائتي ألف دولار، وربما أكثر قليلاً.. ظننت أن الاجتماع انتهى عند هذا الحد. لكن أحد خبراء الحياة البرية طلب الكلمة، وقال:

(النفق وحده لا يكفيفالجرذان لا تعرف أنه موجود).

ساد الصمت.. ثم أكمل قائلاً: (الحيوانات تتصرف بالفطرة وتتبع المسارات التي اعتادت عليها، لذلك علينا أن نرشدها إلى الطريق الجديد). واقترح تخصيص ميزانية لشراء الجبن، وتوزيع قطع صغيرة منه على امتداد المسار المؤدي إلى النفق ومن خلاله، حتى تتبع الجرذان الرائحة وتعبر بأمان.

وبالفعل، وافق المجتمعون على تخصيص ميزانية لشراء نحو 1500 كيلوغرام من الجبن خلال عام كامل، بهدف تدريب الجرذان على استخدام النفق.

طوال ذلك الاجتماع، لم أنطق بكلمة واحدة.. كنت أريد فقط أن أعرف إلى أين سيصل هذا التفكير المختلف تماماً عما عرفته في حياتي.. وبعد عام ونصف، اجتمعنا مرة أخرى لتقييم المشروع.. كانت النتيجة مدهشة.. انخفضت حالات نفوق الجرذان إلى مستويات شبه معدومة، واعتُبر المشروع ناجحاً بالكامل.

عندها سألت، بدافع الفضول أكثر من أي شيء آخر:

(وما أهمية هذه الجرذان حتى تُصرف كل هذه الأموال؟)

ابتسم أحد المختصين وقال جملة لم أنسها حتى اليوم:

(لأنها جزء من التوازن البيئي. وإذا اختفت حلقة واحدة من هذا التوازن، فإن الجميع سيدفع الثمن).

خرجت يومها وأنا لا أفكر في الجرذان، بل في معنى الحضارة.

الحضارة ليست أن تمتلك اقتصاداً قوياً فقط، ولا أن تبني الطرق والجسور، بل أن تمتلك وعياً يرى قيمة كل عنصر في الطبيعة، مهما بدا صغيراً أو غير مهم.

اليوم، وبينما أتذكر تلك القصة، أتابع بحزن ما يحدث في العراق.

ففي الوقت الذي اجتمع فيه مسؤولون وخبراء لإنقاذ جرذان الحقول حفاظاً على التوازن البيئي، تتعرض الأنهار العراقية لغزو بيئي خطير يهدد الثروة السمكية والتنوع الأحيائي، وسط غياب مشروع وطني حقيقي لمعالجة المشكلة.

لقد انتشرت في نهري دجلة والفرات أنواع دخيلة، أبرزها سمكة السلور الإفريقية وأسماك البلطي الإفريقية، بعد أن هربت أعداد كبيرة منها من مزارع الأسماك خلال الفيضانات، أو أُدخلت إلى البيئة الطبيعية دون دراسة كافية لتداعيات ذلك.

وتتميز هذه الأنواع بسرعة تكاثرها، وقدرتها العالية على تحمل الظروف القاسية، إضافة إلى شراستها في افتراس الأسماك المحلية وبيضها وصغارها، مما أدى إلى تراجع واضح في أعداد أنواع عراقية أصيلة مثل البني والكطان والشبوط، وهي أسماك ارتبطت بتاريخ العراقيين ومائدتهم منذ قرون.

ولا تتوقف الخسارة عند الصيادين وحدهم، بل تمتد إلى النظام البيئي بأكمله، وإلى الأمن الغذائي، وإلى التنوع الحيوي الذي يُعد جزءاً من ثروة العراق الوطنية، تماماً كما كانت الثروة النفطية جزءاً من اقتصاده.

لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الكارثة البيئية لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، ولا تزال ردود الفعل محدودة، رغم التحذيرات التي أطلقها باحثون ومتخصصون في البيئة والثروة السمكية.

قد يبتسم البعض عندما يسمع قصة نفق للجرذان، أو ميزانية لشراء الجبن من أجل حمايتها.. وأعترف أنني كنت واحداً منهم.

لكنني أدركت لاحقاً أن القضية لم تكن جرذاناً ولا جبناً.

كانت فلسفة دولة. فالدول التي تحترم الطبيعة وهي في أدق تفاص


مشاهدات 20
الكاتب فاروق الدباغ
أضيف 2026/07/29 - 2:53 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 32698 الكلي 15997824
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير